الصفحة 102 من 104

بل الأعجيب من ذلك، أن مياه البحر الأحمر لا تمتزج بمياه المحيط الهندى عند باب المندب- ذلك البرزخ الذى يفصل بين البحر والمحيط - مع أن كليهما ماء ملح. ولكن نسبة الملوحة مختلفة بين هذا الماء وذاك، فيظل أحدهما طافيا فوق الآخر لا يمتزج به!

بل العجب العجاب هو اكتشاف بحيرات عذبة في باطن المحيطات، تظل عذبة وهى محاطة بالملوحة من كل جانب، فسبحان الخلاق العظيم 00 وسبحان الفتاح العليم!

يقول تعالى: (( ألم تر أن الله يزجى سحابًا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركامًا فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) ) [1] 0

والسحب الركامية لا تظهر على حقيقتها للناظر إليها من أسفل، أى من فوق سطح الأرض، فإنما يبدو منها قاعدتها السفلية فقط، وهذه تكون ممتدة في السماء بدرجة واحدة. أما حين تصعد إلى أعلى، في الطائرة مثلا، فإنك ترى تراكم هذه السحب بعضها فوق بعض، فتراها على صورتها الحقيقية، وترى أنها طبقات، وليست طبقة واحدة كما تبدو للناظر من فوق سطح الأرض، وأنها ليست على ارتفاع واحد، وإنما يختلف ارتفاع طبقاتها بمقدار ما تراكم في كل طبقة من بخار الماء، وأن بعضها يبدو كجبال معلقة في الفضاء، جبال ذات قمم مختلفة الارتفاع!

هذا كله لم يكن معروفا قبل اختراع الطائرات، والسعود بها فوق مستوى السحب. وكان من المستحيل على بشر أن يتصور التراكم الذى تشير إليه الآية في قوله تعالى: (( ثم يجعله ركامًا ) )، فكان هذا الوصف الدقيق لونا من الإعجاز العلمى، وكان اكتشاف البشر له بعد قرون من تنزل القرآن تحقيقا للوعد الربانى: (( سنريهم آياتنا 00 ) )فهو إعجاز مزدوج؛ إذ هو وصف لأمر لم يكن البشر يعرفون صفته في ذلك الحين، وإخبار في الوقت ذاته بأنهم سيعرفونه في مستقبل أيامهم0

يقول تعالى: (( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) ) [2] 0

وضيق النفس مع الصعود في السماء تجربة لم يجريها البشر قط إلا بعد اختراع الطائرات! فقد عرفوا حينئذ أن الأوكسجين يقل في طبقات الجو العليا عن معدله على سطح الأرض، وأن الضغط الجوى يخف كلما اتجهنا صعدا، فتضيق الأنفاس، وتحس الصدور بالحرج0

ولكن أنى للبشر وقت نزول القرآن أن يعرفوا هذا الأمر وهم لم يكونوا قد صعدوا إلى السماء، ولا جربوا كيف تكون الصدور عند التصعيد!

إنه كذلك إعجاز مزدوج: إعلام بأمر كان الناس يجهلونه يومئذ، وإيحاء بأنهم سيعرفونه ذات يوم!

يقول تعالى: (( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) ) [3] 0

وقبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئا عما يجرى في الآماد البعيدة من السماء. فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عدا، ولكنها نلا تدرك أن هناك اتساعا دائما في الفضاء، وأن المسافات تتباعد بين بضع الأجرام السماوية وبعض! ولم يدركوا ذلك حتى اخترعوا مناظير من أنواع أخرى تخترق الأغوار البعيدة في الفضاء، ومركبات فضاء تسجل حركة الأفلاك على أبعاد هائلة من الأرض00

وكلما اتسعت معارف الإنسان ومخترعاته وجد جديدًا في كتاب الله لم يكن يفطن إليه، أو لم يكن يدرك أسراره. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تنفد عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد ) ) [4] 0

(1) سورة النور: 43

(2) سورة الأنعام: 125

(3) سورة الذاريات: 47

(4) سبقت الإشارة إليه 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت