فأما النطق بكلمة الكفر فلا يحتاج إلى ذكر، فلا أحد يناقش في أمره ولا حتى المرجئة .. وإن كان الظن أنهم لو وجدوا إنسانًا ينطق بكلمة الكفر الصريحة فسيقولون له: لا يا شيخ! ليس من المعقول أنك تقصد ما تقول بهذه الكلمة! لا بد أنك تقصد شيئًا آخر! ..
وأما الإتيان بأعمال لا يأتيها إلا الكافر، فقد عدد الفقهاء منها: السجود للصنم، وسب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإهانة المصحف، والتحليل والتحريم من دون الله ..
وكلها إلا الأخيرة موضع اتفاق بين كل الناس في القديم والحديث، لأنها أوضح من أن تكون فيها شبهة لصاحب شبهة ..
أما التحليل والتحريم من دونه الله -أي التشريع بغير ما أنزل الله- فالجدل فيه هو آفة هذا العصر ..
يحتجون بقول ابن عباس -رضي الله عنه-: إنه كفر دون كفر .. ليس الكفر الذي يخرج من الملة!
وقد ناقشت ذلك في أكثر من موضع في"واقعنا المعاصر"و"مفاهيم ينبغي أن تصحح"، ولا بأس هنا من كلمة سريعة:
لما قال الناس لابن عباس -رضي الله عنه-: إن هؤلاء -يقصدون الأمويين- يحكمون بغير ما أنزل الله، فما القول فيهم؟ قال قولته الشهيرة: إنه كفر دون كفر .. إنه ليس الكفر الذي تعلمون .. كفر لا يخرج من الملة ..
وصدق ابن عباس -رضي الله عنه-، فما قال أحد عن الأمويين- بسبب ظلمهم وجورهم ومخالفاتهم: إنهم كفار!
ولكن السر في ذلك لم يكن إبطال مفعول الآية القرآنية الكريمة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [1] .. معاذ الله أن يصدر ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنه- ولا تأويلها على أنها نزلت في حق بني إسرائيل وحدهم بينما لفظها عام وشامل:"وَمَن لَّمْ يَحْكُم .."أي كل من لم يحكم .. ولا أي تعلة من هذه التعلات التي يراد بها صرف تلك الآية المحكمة عن ظاهرها ..
إنما كان الأمر أن بني أمية لم يبطلوا العمل بشريعة الله، ولم يناقشوها، ولم يناقضوها، ولم يقولوا: إن المخالفات التي يقعون فيها تشريع مضاه لشرع الله، أو مقدم على شرع الله، أو أكثر تناسبًا مع الظروف من شرع الله .. إنما هم فقط خالفوها في التطبيق العملي، كما يخالف السارق والزاني أمر الله، ولا يكفر بذلك، لأنه لم يجعل السرقة تشريعًا، ولم يجعل الزنا تشريعًا، أي لم يبحهما بالتشريع، ولم يقل: إنه لا عقوبة عليهما أو إن لهما عقوبة غير التي شرعها الله .. ولو قال ذلك لكفر ولو لم يسرق ولم يزن ولم يفكر في حياته كلها في السرقة أو الزنا .. !
ليست القضية إذن في كفر من لم يحكم بما أنزل الله متعلقة بالعمل الذي قام به مخالفًا لأمر الله، فهذا قد يكون معصية وقد يكون كفرًا، إنما هي متعلقة باستحلال ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أي متعلقة بالتشريع .. بالتحليل والتحريم من دون الله:
(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) [2] .
فالذي جعل المشركين مشركين -كما أشرنا من قبل- لم يكن عملًا بالجوارح قاموا به، إنما كان تشريعًا شرعوه من دون الله، أباحوا فيه شيئًا حرمه الله، أو حرموا فيه شيئًا أحله الله، فجعلوا من أنفسهم أندادًا لله، كأنهم قالوا: لقد قال الله كذا ولكنا نقول غير ما قال، ونحكم في الأمر بغير ما قرر الله .. وهذا هو"الحكم"الذي يكفر صاحبه حين يقوم به، سواء مارسه في عالم الواقع، أم لم يمارسه.
(1) المائدة: 44.
(2) النحل: 35.