الصفحة 82 من 105

فلما وجدوا الأمة قد أخذت تغفو -تحت خدر الفكر الإرجائي وخدر الصوفية- وبدأت تغفل عن مقتضيات دينها، فلم تعد تعدّ للأعداء من القوة ما ترهبهم به كما أمرها الله، ولا تنشط لعمارة الأرض كما أمرها الله، ولا تطلب العلم كما أمرها الله، ولا تمشي في مناكب الأرض بحثًا عن رزق الله كما أمرها الله، ولا تسعى إلى حيازة أسباب التمكين في الأرض كما أمرها الله، ولا تمارس الأخوة فيما بينها كما أمرها الله، ولا تمارس العدل الرباني في حياتها كما أمرها الله ..

عندئذ وجدوا الفرصة سانحة فلم يضيعوها .. وجاءوا بخيلهم ورجلهم فعاثوا فسادًا في أرض الإسلام ..

كان كل ما بقي من الإسلام هو تلك البقايا المتناثرة التي أشرنا إليها من قبل، ولكن الأعداء لم يكونوا ليحسوا بالطمأنينة مع بقاء ذلك الفتات المتناثر، فهم يعرفون هذا الدين جيدًا، ويعرفون ماذا يمكن أن يحدث لو بقي أي جزء منه فاعلًا في الأرض:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ .. ) [1] .

إن أشد ما يفزعهم من هذا الدين -كما قال المستشرق جب- هو قدرته على الانبعاث فجأة من حيث لا يحتسب أحد!

فإذا بقيت الشريعة مطبقة، وبقيت الشعائر التعبدية، فقد بقيت"الجرثومة"التي يمكن أن تنشط فجأة بغير سابق إنذار!

لا بد إذن من القضاء على تلك البقية الباقية من الدين، حتى وإن كانت ظلًا باهتًا لحقيقة الدين!

وعمل الأعداء -بكل ما أوتوا من كيد وجهد- لإزالة هذه البقايا عن طريق الغزو الفكري، في القاهرة واسطنبول خاصة، مع حرصهم في الوقت ذاته على إزالة"الدولة"التي يلتف المسلمون حولها باعتبارها"دولة الإسلام".

ولم يكن الأمر أمامهم سهلًا، ولكنه كان أسهل بكثير مما كان يمكن أن يحدث لو أن الأمة كانت على وعيها السابق بحقيقة دينها، وتطبيق صحيح لما تعيه من أمر هذا الدين ..

عندئذ كان من المستحيل على الصليبية والصهيونية مهما خططا أن يصلا إلى شيء مما يهدفون له، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، لأن الله قرر ذلك في محكم كتابه:

(وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [2] .

ولكنهم استطاعوا في خلال قرن واحد أن يفعلوا بهذه الأمة ما عجزوا عنه خلال اثني عشر قرنًا من الزمان .. وذلك بسبب ما كانت تعانيه الأمة من الخواء من حقيقة الإسلام .. الخواء من مقتضيات لا إله إلا الله ..

كان هجومهم كاسحًا في جميع الميادين .. وكان نجاحهم كاسحًا في جميع الميادين ..

ويعجب الإنسان حين يراجع تاريخ القرن الماشي كيف تغير حال الأمة هذا التغير المفزع في قرن واحد، حتى لكأنها أمة أخرى غير التي كانت .. ولكن جزءًا من هذا العجب -على الأقل- يزول، حين يعلم الإنسان كيف كان حال الأمة قبل أن تمسخ هذا المسخ الأخير .. إنها لم تكن"الأمة الإسلامية"التي أخرجها الله؛ لتكون"خير أمة".. إنما كانت"بقايا أمة".. كانت بحق ذلك"الرجل المريض"الذي يتربص مَنْ حوله أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ..

وقد كان هذا الواقع السيئ ذاته سندًا لدعاة الغزو الفكري يضللون به الناس. يقولون لهم: إن الدين هو الذي أوصلكم إلى هذا الحال البئيس .. فانبذوه، لتتحروا، وتتقدموا، وتنطلقوا في كل مجال ..

وكذبوا .. فما كان دين الله إلا عزًا وكرامة وقوة وعلمًا وأخلاقًا وتقدمًا وتمكينًا في الأرض ..

(1) البقرة: 146.

(2) آل عمران: 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت