الصفحة 71 من 105

والفنان المسلم -بحكم إسلامه- يقف موقف الإنكار لكل أنواع الظلم، وموقف الجهاد كذلك، فيبدع فنًا يدين فيه الظلم، ويعريه، ويدعو إلى إزالته، ويقدم البديل منه .. وهنا قد يبدو مشابهًا للفنان الجاهلي الذي يتصدى لمهاجمة الظلم والدعوة إلى إزالته .. ولكنه في الحقيقة يفترق عنه في أمور ..

يفترق عنه ابتداء في البديل الذي يقدمه .. فليس البديل هو الاشتراكية، ولا هو الديمقراطية، ولا هو العلمانية، ولا هو تحطيم كل القيود اعتباطًا والدعوة إلى الفوضوية، ولا هو الوجودية، ولا هو"الحداثة"التي تدعو إلى تحطيم"التراث"والتخلص من روابطه!

البديل هو المنهج الرباني .. فقد نشأ الظلم ابتداء من اتباع مناهج البشر، وكل البدائل المعروضة في الساحة هي من مناهج البشر .. مناهج الجاهلية التي قال الله عنها:

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [1] .

ويفترق عنه كذلك في تفسير الوقائع التي يعرضها في إنتاجه ..

فأما إن كان من هواة التفسير المادي للتاريخ فسيرجع الأسباب كلها إلى الأوضاع الاقتصادية، وإلى تحكم الطبقة المستغِلّة وإذلالها للطبقة الكادحة، وسيدين المستغلين -الإقطاعيين، أو الرأسماليين- وسيذرف الدموع على الكادحين المسحوقين، ولكنها ليست دموعًا"أخلاقية"ولا"إنسانية"إنما هي دموع"اشتراكية!"قوامها المادية الجدلية والتفسير المادي للتاريخ، والدعوة إلى سحق المستغلين ليتولى الأمر بدلًا منهم الكادحون!

وأما إن كان من هواة التحليل النفسي فسيرجع الأمور إلى الاضطرابات والعقد النفسية، وسيتعاطف مع المجرم؛ لأنه -مسكين! - فريسة عقدته، ومجنيّ عليه من مجتمعه!

وأما إن كان من الوجوديين فسيرجع الأمور إلى أن الفرد لم يجد نفسه؛ لأن قيود الدين والأخلاق والمجتمع، أو بالأحرى ضغوط"الآخرين"قد سحقت وجوده الفردي فلم يحقق ذاته .. ولا بد له أن يحقق ذاته .. وليذهب"الآخرون"إلى الجحيم [2] !

وأما إن كان من الحداثيين فالجريمة جريمة التراث! جريمة الماضي! جريمة عدم انعتاق الحاضر من عقابيل القيم التراثية التي تعوّق المسيرة وتكبّل السائرين! أو"الثائرين"!

أما الفنان المسلم، المهتدي بهدي الله، فسيبين للناس الحقيقة ..

إن الحقيقة وراء هذه الاختلالات كلها الموجودة في الأرض، هي عدم إيمان الناس بالله واليوم الآخر، ومن ثم عدم اتباع ما أنزل الله، واتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ومن ثم اتباع مناهج الأرباب البشريين سواء كانوا إقطاعيين أو رأسماليين أو شيوعيين، وانسحاق"المستضعفين"تحت جبروت تلك الأرباب. وكلهم شريك في مسئولية الفساد: الذين استكبروا باتخاذهم أنفسهم أندادًا لله، والذين استضعفوا باتخاذهم الذين استكبروا أربابًا من دون الله. ولا صلاح للأرض، ولا زوال للظلم، حتى يتخلى الأرباب المزيفون عن ربوبيتهم، ويتخلى المستضعفون عن عبادتهم. وذلك بعبادة الله وحده دون شريك، والجهاد المقدس لإعلاء كلمة الله وإزالة الطواغيت ..

تلك -كما قلنا- إشارات سريعة، ليس المقصود بها الاستيعاب .. إنما هي لبيان"المقتضى التعبيري"للا إله إلا الله في مجال التعبير الجمالي عن مكنونات النفس ..

فإذا أضفنا"الإعلام"بوصفه جزءًا من المجال التعبيري للأمة، فنقول كذلك: إن إعلام الأمة الإسلامية لن يكون كله وعظًا ودروسًا دينية، وإن كانت هذه جزءًا لا يتجزأ من الإعلام الإسلامي لتذكير الناس بالله واليوم الآخر ..

إنما الإعلام في الأمة الإسلامية له عدة أهداف ..

(1) المائدة: 50.

(2) لسارتر مسرحية عنوانها"الجحيم هو الآخرون"!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت