(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [1] .
وكلفه عمارة الأرض، ويسّرها له، وسخر له من أجل القيام بهذه المهمة ما سخّر من طاقات السموات والأرض: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [2] .
(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [3] .
وكل"التكنولوجيا"التي صنعها الإنسان كانت من أجل تحقيق عمارة الأرض؛ ليكون هو السيد فيها بإذن ربه .. ولكن الإنسان المعاصر استخذى أمام ما صنعه بيديه، فصار عبدًا للآلة، كما كان في الجاهليات الوثنية القديمة ينحت الصنم بيديه ثم يعبده!
وهكذا الإنسان حين يفقد صلته بالله، فإنه يستعبد نفسه للآلهة المزعومة، ويفقد حريته إزاءها، فتحكمه الأوهام والأهواء والشهوات، سواء كانت أوهامه الذاتية، وأهواءه وشهواته الذاتية، أم كانت مفروضة عليه من الذين استكبروا في الأرض من أصحاب السلطان.
أما صاحب العقيدة فلا تستعبده الآلة، ولا تستعبده الأهواء والشهوات، لأنه يعبد الله وحده بلا شريك، فيتحرر بذلك من ذل العبوديات الزائفة لغير الله.
أفيريد الذين يرغبون في مساكنة أصحاب القرية الظالمة أن تستعبدنا"ثورة التكنولوجيا"كما استعبدتهم وتأكل إنسانيتنا كما أكلت إنسانيتهم، من أجل أن نحصل على نصيب من"التقدم"و"الحضارة"وننفض عن أنفسنا وصمة التخلف، ونعيش"بروح العصر"؟
أما أننا متخلفون في جميع الميادين .. فنعم!
وأما أن طريقنا لإزالة التخلف هو اتباع منهجهم .. فلا!
إنما طريقنا أن ننطلق من"لا إله إلا الله"، ثم نسعى لاكتساب كل أدوات التقدم العلمي والتكنولوجي بعد إخضاعها لمقتضيات لا إله إلا الله، فنكون أولًا أحرارًا في الأرض، مستمدين تحررنا من عباده الله وحده بلا شريك، ثم نكون بعد ذلك هداة لسكان القرية الظالمة، نهديهم إلى سبيل الرشاد، بدلًا من أن نكون تبعًا لهم فيسحقوننا بأقدامهم كما يفعلون الآن.
وفي جميع الأحوال لا بد لنا بادئ ذي بدء أن نؤمن إيمانًا راسخًا أن لا إله إلا الله بمقتضياتها الشاملة، هي -دون غيرها- التي تحقق الفلاح والخير في الدنيا والآخرة بالمعايير الحقيقية الصحيحة، ولا بد لنا ثانيًا أن نتحرك نحو الإصلاح المنشود بدافع من تحقيق لا إله إلا الله في واقع الأرض، وليس انطلاقًا من أي دافع آخر، قد يختلط فيه الإيمان بلون من ألوان الشرك كما قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) [4] . ولا بد لنا في الوقت ذاته أن نقوم بما نقوم به منضبطين بالضوابط الشرعية التي تفرضها -وتبينها-"لا إله إلا الله"كما وردت في كتاب الله:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [5] .
وبهذا وحده نحقق الوجود الذي نرجوه للأمة الإسلامية، ونحقق الخيرية التي كتبها الله لهذه الأمة حين تقوم برسالتها على وجهها الصحيح:
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [6] .
ومن أجل بيان هذه الحقيقة، حقيقة الشمول في المنهج الرباني المتمثل في لا إله إلا الله، كتبت هذه الصفحات ..
اللهم إن يتحقق بها شيء من النفع فهو فضلك الذي أنعمت به علي، وإلا فبحسبي نيتي أحتسبها عند الله:
(1) البقرة: 30.
(2) هود: 61.
(3) الجاثية: 13.
(4) يوسف: 106.
(5) الأحزاب: 36.
(6) آل عمران: 110.