(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [1] .
فأما الذين لا يؤمنون بها، ويقولون: دعونا من ذكرها، وحدثونا عن الحياة الدنيا .. فما أصبرهم على النار!
كلا! لا تستوي حياة الإنسان بالكفر والإيمان في الحياة الدنيا ولا الآخرة ..
(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [2] .
(أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) [3] .
وحَسْبُ الذين آمنوا أن يحسوا بالتحرر من الطواغيت التي يخضع لها الناس في الجاهلية ..
ويستوي أن يكون الطاغوت إلهًا يعبد، أو شرعًا يتّبع، أو عرفًا يستعبد الناس له، أو شهوة مستبدة بصاحبها، أو طغيانًا سياسيًا أو اقتصاديًا، أو اجتماعيًا، أو فكريًا ..
كلها طواغيت تستعبد الناس في الجاهلية ..
ومرة أخرى قد تحسبُ الجاهلية المعاصرة أنها حررت الإنسان، وحطمت الطواغيت! فلننظر إلى الواقع ولا ندع العناوين الخلابة تخدعنا عن الحقيقة ..
إن هذا القرآن هو الذي شهد -في أوروبا ذاتها- أعني طغاة التاريخ: هتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، وفرانكو في أسبانيا، وتيتو في يوغوسلافيا، أما"الاتحاد السوفييتي"الذي هوى فهو عالم وحده، فريد في طواغيته، وعلى رأس قائمتهم السوداء"الزعيم الأوحد"ستالين، الذي قال عنه خروشوف -بعد أن مات! - إنه كان سفاحًا مجرمًا متعطشًا للدماء، وغلطة لا يجوز أن تتكرر! [4] .
فإذا تركنا طواغيت"الأنظمة الجماعية"ونظرنا إلى"العالم الحر"فهو حر فعلًا في ناحيتين عظيمتين: الفساد الخلقي والإلحاد! أما واقع حياته، برغم كل المسرحية الجميلة التي تحكمه -مسرحية"الديمقراطية"- فالذي يحكمه في الحقيقة هو طاغوت رأس المال، والذي يتربع على عرش رأس المال هو اليهود، بكل ما في جبلتهم من طغيان [5] ..
وأيًا كان نوع النظام، وأيًا كانت وسائله، فأساس المشكلة في الجاهلية أن البشر هم الذين يشرعون، وليس الله الحكم العدل، اللطيف الخبير .. وحيثما شرع البشر -مدّعين لأنفسهم حقًا من حقوق الألوهية- انقسم الناس إلى سادة وعبيد، أو إلى طغاة وعبّاد يعبدون الطغاة، إذ يكلون إليهم حق التحليل والتحريم من دون الله ..
وذلك فضلًا عن الطواغيت الأخرى المعبودة من دون الله، والتي تطاع في معصية الله، طاغوت"الوطن"، أو"المصلحة القومية"، أو"الرأي العام العالمي"، أو"المودة"، أو"ثورة التكنولوجيا"، أو"العلم"، أو طاغوت الشهوات.
حسب الذين آمنوا أن يتحرروا من تلك الطواغيت كلها، بإخلاص العبادة لله وحده، ونزع الألوهية عن كل الآلهة الزائفة في الأرض، وإخضاعها كلها لمنهج الله.
(1) الأعراف: 32.
(2) ص: 28.
(3) الجاثية: 21.
(4) من الطرائف التي حدثت في المؤتمر العشرين للحرب الشيوعي الذي ندد فيه خروشوف بستالين -بعد موته- أن تقدم أحد الموجودين بسؤال مكتوب إلى خروشوف يقول له فيه لقد كنت عضوًا بارزًا في اللجنة المركزية العليا للحزب في أيام ستالين، فلماذا سكت على هذه الجرائم؟ وكان خروشوف سريع البديهة فقال: من الذي أرسل هذه الورقة؟ فلم يجب أحد بطبيعة الحال من الخوف. فقال خروشوف مخاطبًا السائل المجهول. لقد عرفتَ السبب! لقد كنت خائفًا مثلك!!
(5) اقرأ إن شئت فصل"الديمقراطية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".