إن من أعظم وأقوى الأسباب التي يغير بها الإنسان من واقعه وأخلاقه وحياته وسلوكه هو تغير الأصحاب وكما يقال في المثل: (الصاحب ساحب)
التقلل من الدنيا: ومن التخطيط للآخرة: التقلل من التعلق و الإنشغال والتفكير بالدنيا بقدرالمستطاع، وأن لاتكون أكبر همه، ولا مبلغ علمه: قال تعالي: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} قال ابن كثير: أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة.
وقال ابن عباس: في قوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} يعني: الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ? وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} قال الشيخ السعدي: والآخرة خير من الدنيا في كل وصف مطلوب، وأبقى لكونها دار خلد وبقاء وصفاء، والدنيا دار فناء، فالمؤمن العاقل لا يختار الأردأ على الأجود، ولا يبيع لذة ساعة، بترحة الأبد، فحب الدنيا وإيثارها على الآخرة رأس كل خطيئة. وقال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} . قال الشيخ السعدي: أي: لا تمد عينيك معجبًا، ولا تكرر النظر مستحسنا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المتجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجابًا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها - بقطع النظر عن الآخرة - القوم الظالمون، ثم تذهب سريعا، وتمضي جميعًا، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختبارًا، ليعلم من يقف عندها ويغتر بها، ومن هو أحسن عملًا كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ? وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} - {وَرِزْقُ رَبِّكَ} العاجل من العلم والإيمان وحقائق الأعمال الصالحة والآجل من النعيم المقيم والعيش السليم في جوار الرب الرحيم {خير} مما متعنا به أزواجا في ذاته وصفاته {وَأَبْقَى} لكونه لا ينقطع أكلها دائم وظلها كما قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيلٍ) .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.
حكمة: فكلما قلل المسلم انشغاله بهذه الدنيا كثر عطائه للآخرة.
مثال واقعي: فرق كبير بين شخص يملك عشرة دكاكين وبين شخص يملك دكانًا واحدًا، فلاشك ولاريب أن الذي يملك عشرة دكاكين سيكون عطاؤه للآخرة أقل لانشغاله بهذه الدنيا الفانية الزائلة.
الدعاء: ومن الوسائل المهمة للتخطيط للآخرة: أن يتضرع المسلم بين يدي ربه ويدعوه وينكسر بين يديه ويسأله التوفيق والهداية والتيسير للأعمال التي تقربه من الله في الآخرة.
وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} وقال الشيخ السعدي: والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق. فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصًا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة، فلهذا قال: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموت راحةً لي من كل شرٍ) رواه مسلمٌ.
وقوله: (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خيرٍ) أي سألت الله أن يوفقك إلى كل ما يحب ويرضى من الأعمال الصالحة، وأن يجعلك كل يوم تزداد فيه عملًا صالحًا يقربك إلى الله.
القراءة في حياة الصالحين:
ومن الأسباب التي تعين المسلم على الاستعداد للآخرة: