ودعواه داحضة من جهتين: الجهة الأولى أنه يساعد الإرهاب الإسرائيلي بكل وسائل المساعدة، ويمده بالمال والسلاح والتأييد الأدبي والسياسي ليقتل المسلمين، ويجليهم من أرضهم ويستولي عليها، ويهين المقدسات الإسلامية، وهو آمن من كل رد أو ردع لأن الغرب يداري على جرائمه، بل يباركها ولا يخفي تأييده لها. والجهة الثانية أنه يصف كل اتجاه إسلامي أيّا كان لونه أو أسلوبه بأنه إرهاب، ليطالب بحظره، والتضييق عليه، وتجفيف منابعه. فكل مطالبة بتحكيم شرع الله إرهاب، وكل التزام بزي الإسلام إرهاب، وكل استنكار للعدوان على المسلمين إرهاب، وحتى تحفيظ القرآن إرهاب!!
ونتيجة هذه الحماقة أن يستيقن المسلمون في كل الأرض أن الغرب الصليبي لا يريد الإسلام. ويكون رد الفعل الطبيعي هو الإصرار على الإسلام، والإصرار على التمسك به ضد هذه الحرب الصليبية الغاشمة، التي تكشف عن وجهها بلا خفاء.
أما إسرائيل فإنها - بحماقة - تصر على إذلال العرب والمسلمين إلى آخر قطرة من كيانهم. وحين يتم لإسرائيل ما تريد من السيطرة الشاملة، السياسية والحربية والاقتصادية والإعلامية، فما رد الفعل الطبيعي عند المسلمين، وهم يرون الأرض كلها تساند العدوان اليهودي، وتأبى أن تعترف بحق واحد للمستضعفين في الأرض؟
هل هناك رد فعل متوقع، إلا اللجوء إلى الجهاد الإسلامي للدفاع عن وجودهم المهدد، وكيانهم المسلوب؟
وهكذا يسلط الله حماقات الصليبية الصهيونية على الأمة لتستيقظ من سباتها وتعود إلى الإسلام!
(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) [1] .
والغريب أن المؤرخ البريطاني توينبي كان قد توقع في الخمسينيات من هذا القرن الميلادي حدوث هذه اليقظة! قال: إن الإسلام الآن قد نام نومة أهل الكهف، ولكن النائم قد يصحو إذا وجدت دواعي اليقظة. وقال إن استمرار الغرب في الضغط على الشعوب المستضعفة قد يوجد سببا ليقظة الإسلام، ليتولى تحرير هذه الشعوب [2] .. وكانت هذه لفتة ذكية من رجل درس عبرة التاريخ. ولكن الصليبية الصهيونية لا تستمع لصوت العقل، ولو كان صادرا من أحد أبنائها، لأن الحقد على الإسلام في قلبها أقوى من صوت العقل!
ولكن توينبي - مع ذلك - لم يلتفت إلى نقطة مهمة في الموضوع.
إن اليقظة الإسلامية هي العودة إلى النبض الطبيعي لهذه الأمة، التي صاحبت هذا الدين وعاشت به وعاشت له أربعة عشر قرنا متواصلة، وإن كانت قد غفلت عنه فترة من الوقت. فهي لا تحتاج إلى أسباب خارجية لتحدثها. إنما أسبابها كامنة في ذاتها. سواء في كون هذا الدين هو دين الفطرة، الذي تستجيب له الفطرة السليمة استجابة تلقائية، أو في الصحبة الطويلة لهذا الدين، أو لكون أزهى فترات التاريخ الإسلامي هي الفترات التي كان الناس فيها ألصق بهذا الدين وأكثر استجابة لمقتضياته. وكلها أسباب تجعل احتمال اليقظة موجودا دائما في كيان الأمة، كما أشار إلى ذلك المستشرق جب H.R.Gibb في كتابه"وجهة الإسلام Whither Islam ?"الذي قال فيه إن أخطر ما في هذا الدين أنه ينبعث فجأة دون أن تعرف السبب في انبعاثه، ودون أن تستطيع أن تتنبأ بالمكان الذي يمكن أن ينبعث فيه!
وإنما ضغط الغرب أو غيره من الأسباب مجرد"منبهات"إضافية، قد تؤثر في سرعة اليقظة أو اتساع مداها، ولكن اليقظة ذاتها لا تتوقف على وجود هذه المنبهات ..
(1) سورة الطارق [15 - 17] .
(2) انظر"الإسلام والغرب والمستقبل"لتوينبي، ترجمة الدكتور نبيل صبحي ص 73.