فلو شاء قدر الله ابتداءً ألاَّ تقوم الصحوة ما قامت، فقد كان كيد الأعداء ماكرا خبيثا عنيدا، وكان حال الأمة مغريا للأعداء أن يضغطوا بكل قوتهم ليزهقوا روح"الرجل المريض"- كما كانوا يسمون الدولة العثمانية في آخر عهدها - ويستريحوا منه إلى نهاية الزمان ..
ولكن مولد الصحوة من ذات الحدث الذي أراد به الأعداء القضاء على الإسلام إشارة إلى اتجاه قدر الله.
ثم إن الصحوة قد فاجأت المخططين من الصليبيين والصهيونيين مفاجأة عنيفة، فدبروا لقتلها، وأنشئوا لذلك مجموعة من الانقلابات العسكرية في العالم الإسلامي، تبطش بالمسلمين بطشا لا سابقة له في عنفه ووحشيته، على أمل القضاء على الصحوة قبل أن يستفحل أمرها وتستعصي على عملية الإفناء، فكان من قدر الله انها زادت اشتعالا، واتسع نطاقها.
والمستقبل غيب .. ولكنا نستقرئ سنن الله، ووعده ووعيده، فنجد أن المستقبل للإسلام.
إن من سنن الله أن الدعوة التي يقدم لها الدم لا تموت .. وقد أسرف الأعداء في إراقة الدم، ظنا منهم أنه يقضي على الدعوة، فكان الدم المراق سبيلا إلى زيادة المد.
وإن من وعد الله أن يمكن للأمة حين تصحح موقفها من دينه، وتعبده وحده دون شريك:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [1] .
وقد بدأت الأمة تعود ..
وإن من وعيد الله أن يسلط على اليهود من يدمرهم إذا علوا في الأرض:
(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) [2] .
وقد عادوا .. بل إنهم لم يطغوا في تاريخهم كله كما طغوا اليوم، ولم يصل سلطانهم قط إلى ما وصل إليه اليوم .. فماذا ينتظر إلا تحقق الوعيد؟
كل الإرهاصات تدل على اتجاه معين للأحداث.
ومن خلال حماقات الغرب، وحماقات إسرائيل، يتم قدر الله في إمداد الحركة الإسلامية بمزيد من بواعث الاستمرار.
إن الغرب - بحماقته - قد أعلن الحرب على الإسلام في كل الأرض، ودعواه الظاهرة أنه يحارب الإرهاب، وإنه يحارب الإرهاب عامة من حيث المبدأ، وليس الإرهاب الإسلامي وحده.
(1) سورة النور [55] .
(2) سورة الإسراء [4 - 8] .