وقد انتهت موجة"الدفاع"في موعدها المقدور .. وجاءت بعدها الموجة الصحيحة، في حركة"البيان"الذي قصد به البيان أساسا، وليس الرد على الشبهات. ثم جاءت موجة ثالثة - في موعدها المقدور كذلك - موجة الهجوم على الحضارة الغربية وبيان عوراتها وسلبياتها، وإزالة الغبش الذي غشى أعين الناس تجاهها، وكشفها على حقيقتها، في مواقفها الصليبية المعادية للإسلام، المتحيزة للعدوان اليهودي السافر، الطاغية المستبدة، وريثة الإمبراطورية الرومانية في طغيانها وجبروتها وسعيها إلى استعباد الآخرين وتسخيرهم لمصالحها، وإن ادعت أنها تحترم"الآخر"وتسمح له بحق الوجود، وحرية التعبير عن هذا الوجود.
وكان هذا كله ردا على إحدى سلبيات حركة التنوير.
أما الفشل الذريع في علاج كثير من الأمراض، إما بعدم الالتفات إليها أصلا، وإما بتقديم علاج خاطئ يزيد المرض بدلا من شفائه، فقد أيأس كثيرا من الناس من الدرب الذي سلكه التنويريون، وأقنعهم أنهم لن يصلوا منه إلا إلى مزيد من الهوان والضعف والضياع .. فكان هذا مددا للحركة الإسلامية من جانب آخر.
والله هو الذي يقدر الأقدار وليس البشر:
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [1] .
(وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [2] .
لقد كانت الصحوة الإسلامية ذاتها قدرا ربانيا، جاء في موعده المقدور عند الله. وكانت هي الرد على كيد الأعداء الذي أرادوا به القضاء الأخير على الإسلام، بإزالة الخلافة. فقد قام رجل فتح الله بصيرته بنور الإسلام، فقال:"إن كانت الخلافة قد ضاعت، فلماذا لا نعمل على إعادتها من جديد" [3] .
في غير هذا المكان تحدثنا عن الصحوة الإسلامية، ما لها وما عليها، ما نجحت فيه وما فشلت في أدائه، وما بنا أن نعيد هنا شيئا مما قلناه هناك.
ولكنا هنا نقول إن الصحوة - بإذن الله - هي المستقبل.
إن أمامها مهامّ ضخمة، وأمامها عقبات كثيرة. ولكنها هي الطريق.
إن بعث الأمة من جديد يحتاج إلى"عقيدة"، وليس فقط إلى"فكر". الفكر مطلوب، نعم. ولا يمكن لحركة مستنيرة هادفة أن تحقق شيئا من أهدافها بغير فكر ناضج مستنير. ولكن الفكر وحده لا يكفي، ولا يصنع شيئا وهو معلق في أبراجه العاجية لا ينزل إلى واقع الساحة. والعقيدة هي التي تفعل. هي التي تحرك. هي التي تدفع للعمل. وهذا من طبيعتها، لأنها تعمل من داخل مركز الحركة الحقيقي وهو القلب:
"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب" [4] .
والذي أنزله الله تعالى - اللطيف الخبير، الذي يعلم من خلق، ويعلم ما يصلحه وما يصلح له - هو عقيدة تشتمل على فكر، وليس فكرا فلسفيا ونظريات.
وحين عملت هذه العقيدة على أصولها الصحيحة، وبما تشتمل عليه من فكر صحيح، صنعت ما يشبه المعجزات. وحين غفل عنها أهلها وأهملوها، ذَوَوْا وانحصروا، حتى صاروا غثاءً كغثاء السيل ..
ثم جاءت الصحوة بقدر من الله، وأخذت منطلقها الذي قدره الله، ونجحت في مجالات، وأخفقت في مجالات، وتعجلت في أمور، وفاتتها أمور .. ولكنها ما تزال في بدايتها، وأمامها بعدُ مشوار طويل، وأمامها أكثر من فرصة لتصحيح ما أخطأت فيه، وتدارُك ما أخفقت فيه .. ولكن اتجاه قدر الله هو إلى تثبيتها وترشيدها وتقويمها، وليس إلى القضاء عليها وإنهاء دورها ..
وقدر الله غيب، ولكن له إرهاصات ..
(1) سورة يوسف [21] .
(2) سورة النمل [50] .
(3) هو الإمام الشهيد حسن البنا.
(4) أخرجه البخاري.