الصفحة 54 من 60

لقد كان الدافع الذي يحركهم هو مهاجمة الحكم الإسلامي ممثلا في الدولة العثمانية. وهنا يختلط الحق بالباطل. فلو أنهم هاجموا مظالم الحكم العثماني من المنطلق الإسلامي لأدوا خدمة هائلة لهذه الأمة يكسبون بها ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. فحين ينادي الدعاة بالعودة إلى الصورة الإسلامية الصحيحة التي بدأ بها الحكم الإسلامي سيرته الأولى - ولو تعرضوا للأذى في دعوتهم، ولو استشهد منهم في سبيل ذلك من قدر الله له أن يستشهد - فقد كانوا سيؤدون للأمة خدمتين جليلتين في آن واحد: رد حقوقها المسلوبة إليها، والمحافظة على الدولة الإسلامية التي يعمل الأعداء بكل جهدهم لتقويض أركانها توطئة للقضاء عليها، والقضاء على الإسلام من ورائها.

ولكنهم حين ينشئون دعوتهم على أساس أن الإسلام لا علاقة له بالحكم، أو أن الإسلام هو منبع الظلم، فقد كانوا عونا للأعداء في مهمتهم التي ركزوا فيها جهودهم، وهي القضاء على الدولة الإسلامية، تمهيدا للقضاء على الإسلام ذاته.

هذه واحدة.

والثانية أنهم حين دعوا إلى الحقوق السياسية على طريقة الديمقراطية الغربية لم يقوموا بجهد حقيقي لتهيئة الأمة للاستفادة من إيجابيات الديمقراطية [1] ، بل كانوا يعيشون في أبراجهم العاجية يحلمون، دون أن ينزلوا إلى أرض الواقع ليمارسوا الدعوة بالفعل، ويربُّوا الأمة على المحافظة على حقوقها. لأنهم لم يكونوا دعاة حقيقيين، ولا مربين مخلصين، إنما كان همهم الأول مهاجمة الدين!

أما ثالثة الأثافي فهي ما أشرنا إليه من قبل، من الوقوف في صف الطغيان البشع الذي جيء به للقضاء على المد الإسلامي، بوسائل بلغت من الوحشية حدا تعجز اللغة عن وصفه، وكانوا هم يؤيدون الطاغوت، ويجندون أقلامهم للإشادة بجرائمه، وتضليل الأمة بالبطولات الزائفة التي يضفونها عليه.

أما الثلاثي الرهيب الذي توغل في جسد الأمة ومنعها من النهوض فماذا فعل فيه؟ الفوضوية التي تكره النظام، والعفوية التي تكره التخطيط، وقصر النفس، الذي يشتعل بسرعة وينطفئ بسرعة. هل فكروا في علاجه؟ وهل يستطيعون؟!

أما الاستطاعة فليسوا من أهلها، وهم يعيشون في أبراجهم العاجية، لا ينزلون إلى ساحة الواقع، التي تحتاج إلى العرق والجهد لتغير طبائع الناس، وتنشّئهم تنشئة جديدة، جادة قوية فاعلة مريدة.

إن نشر الأفكار التي تدعو إلى التسيب والانحلال سهل، واستجابة الناس لها سريعة. أما الأفكار التي تحتاج إلى بناء، وتحتاج إلى بذل الجهد، وإلى المثابرة والمتابعة، فأمرها مختلف.

والذي كانت الأمة محتاجة إليه، لم يكن حل أخلاق المجتمع، وإطلاق الغرائز والنزوات، وشغل الأولاد بالبنات، والبنات بالأولاد، وإنفاق الطاقة في السفاسف، والجري وراء أشكال الحضارة وأزيائها دون لُبّها الحقيقي.

لقد كانت الأمة محتاجة إلى إعادة البناء، على أسس جديدة، قوية متينة، لاستعادة ما فقدته من حيويتها وعزيمتها في سنوات الركود الآسن الذي انتهى بها إلى أن تكون غثاء كغثاء السيل.

ولقد كانت دعوى التنويريين أن نصبح مثل أوربا، لنكون شركاء لها في الحضارة ما يحمد منها وما يعاب، فإلى أي شيء وصلنا؟

فأما ما يعاب من هذه الحضارة فقد عببنا منه عبًّا، وصرنا بالفعل مثلهم أو أسوأ منهم! ويكفي ما تبثه الفضائيات من ألوان الفساد.

أما ما يحمد فلم نقدر عليه لأننا مقلدون .. والمقلد لا ذاتية له، ولا عزيمة عنده، ولا قدرة له على بذل الجهد.

البناء الحضاري جهد يبذل .. جهد عقلي ونفسي وعصبي وجسدي، وعلمي وأخلاقي، وعزيمة لا تقف في وجهها الصعاب، ومثابرة لا تقعدها العقبات.

(1) بصرف النظر عن سلبياتها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت