وكان أكل المال الحرام موجودا في المجتمع، يقوم به من لا شرف له ولا احترام، لذلك كان محدود النطاق. فأصبح هو السبيل الأكبر لكثير من الناس إلى الثراء ونيل الاحترام بين الناس! لأن الناس صارت تحترم صاحب الثروة - وعلى قدر ثورته - بصرف النظر عن مصدر الثروة ومدى حلّها أو نظافتها .. وأصبح من"علية القوم!"من يعمل في تجارة الأعراض أو تجارة المخدرات ويقبل عليه الناس ويوقرونه وهم يعلمون من أين أتى بالمال!
وفي وقت من الأوقات - إلى عهد غير بعيد، ورغم كل ما كان في المجتمع من انحراف - كان الناس يقترضون ويقرضون بغير أوراق! ويؤدي المقترض دينه وفاء بالعهد، وخوفا من الله، بينما المقرض لا يملك سندا ضده .. فأصبحت السندات تزور، والأمانات تؤكل على أصحابها، والمدين يماطل وهو قادر على رد الدين. وأصبح الشركاء يتسابقون كلٌّ في محاولة خداع شريكه، وأكل ماله، وإخراجه من الشركة صفر اليدين منذ أن يبدأ المشروع يؤتي أرباحه!
وكان الجار يأتمن جاره على عرضه وماله وأسراره، ويجري على ألسنة العامة قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم وصى على سابع جار! وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه!" [1] فصارت المصائب تأتي - أقرب ما تأتي - من الجار الذي لا يؤتمن على عرض ولا مال.
وأمراض أخرى كثيرة يطول شرحها نجمت أو تفشت من توهين عرى الدين في النفوس، وخاصة على أيدي الأنظمة الطاغية التي اضطهدت الإسلام والمسلمين، وكانت موضع الرضى والترحيب والتأييد من التنويريين.
ومن باب الإنصاف نقول إن التنويريين لم يسعوا إلى إحداث كل هذه الشرور في المجتمع، ولكنهم يحملون مع ذلك مسئوليتهم عنها، لأنهم لم يقدروا خطورة الجرم الذي أقدموا عليه حين عملوا على توهين عرى الدين في النفوس.
بالنسبة للحقوق السياسية تختلط السلبيات بالإيجابيات في عمل التنويريين، وكما رأينا في أمور أخرى تزيد السلبيات على الإيجابيات حتى تمحو أثرها في النهاية!
فمن الإيجابيات تذكير الناس أن لهم حقوقا على حكامهم، وهو أمر كانوا قد نسوه من زمن بعيد، منذ غابت الخلافة الراشدة التي كان صاحبها يقول:"إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني" [2] ويقول:"القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له" [3] والتي يقول صاحبها"يا أيها الناس اسمعوا وأطيعوا"فيقال له لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة حتى تبين لنا من أين لك هذا البُرد الذي ائتزرت به، فلا يغضب، ولا يستكبر على المساءلة، بل يجيب ويبين، فيقال له: الآن مر! نسمع ونطع! [4] ثم جاء الأمويون ومَنْ بعدهم فغيروا النهج وذهبوا بما كانت تتسم به الخلافة الراشدة من عدل نموذجي، واستبدلوا به شدة على الناس ومظالم - إلا من رحم ربك - فنسي الناس، ونفضوا أيديهم من سياسة الحكم وتركوا الأمر للحاكم إن شاء عدل فكان الخير، وإن شاء عسف فكان الصبر!
أثار التنويريون قضية حقوق الأمة على الحاكم، ووجوب مراقبتها لأعماله، ومحاسبته حين يتجاوز حدوده ..
نعم .. ولكن!
ما كانت نيتهم صافية وهم يثيرون القضية .. ولم يكن عطفهم حقيقيا على الجماهير! وليته كان كذلك، إذن لتقدمت الأمة في هذا المضمار، ولنالت حقوقها، أو شيئا منها، ولم تسمح لأبشع ألوان الطغيان التاريخي أن تقهرها وتستذلّها وتسلبها أمنها وكرامتها وكل حق من حقوقها!
(1) أخرجه البخاري.
(2) هذه قولة أبي بكر رضي الله عنه، وقوله عمر رضي الله عنه من بعده.
(3) هذه قولة أبي بكر رضي الله عنه.
(4) هذا ما حدث مع عمر رضي الله عنه.