وفي ارتباط الإحسان بالحكمة يقول ابن القيم: إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن التقادير ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك، إذ لو كان حسنه لكونه مقدورا ومعلوما كما يقوله النفاة لكان هو وضده سواء فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن التقادير وهذا ممتنع قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .
وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) . فجعل هذا أن يختار لهم دينا سواه ويرتضي دينا غيره كما يمتنع عليه العيب والظلم، وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين) ، وقال: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) ، وقال: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، فلا أحسن من تقديره وخلقه لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته ورحمته وعلمه [1] .
رابعا؛ الرحمة:
وفي ارتباط الرحمة بالحكمة يقول ابن القيم: اتصافه بالرحمة وأنه أرحم الراحمين وأن رحمته وسعت كل شيىء، وذلك لا يتحقق إلا بأن تقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم، وبما أمرهم به فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم، لما كانت رحمه. ولو حصلت بها الرحمة لكانت إتفاقية لا مقصودة، وذلك لا يوجب أن يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين، فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي لأجلها يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة وتعطيل لها. وكان يشيع هذا المذهب جهم بن صفوان يقف على الجذامى [2] - ويشاهد ما هم فيه من البلايا ويقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يعني انه ليس ثمت رحمة في الحقيقة، وأن الأمر راجع إلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة ولا حكمة عنده ولا رحمة فإن الرحمة لا تعقل إلا من يفعل الشيء لرحمة غيره ونفعة والإحسان اليه، فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة، لم يفعل الرحمة والإحسان.
خامسا؛ الخير:
ثم نأتي إلى الحقيقة النهائية والأساسية في آثار أسماء الله وصفاته، وعليها يكون مدار الإظهار وأفعال الله دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والمصلحة، وكل ما ينسب إلى الله فهو خير فالله تعالى خالق الخير، والشر في بعض مخلوقاته، لا في خلقه وفعله، أما خلقه وفعله وقضائه وقدره خير كله إذ أن الشر حقيقة؛ هو وضع الشىء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرا والأسماء الدالة على أن الله يضع الشىء في محله هي (القدوس، السلام، العزيز، الجبار، المتكبر) ، (القدوس) ، المنزه عن الخطأ، (السلام) ، الذي سلم من إرادة الظلم والشر ومن التسمية ومن فعله ومن نسبته إليه، ولهذا وصف ليلة القدر بأنها سلام (وهي ليلة القدر الحولي) ، (العزيز) ، البراءة من كل عيب وسوء ونقص، (المتكبر) ، المتكبر عن السوء، فإذا فعل العبد القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء، والرب جعله فاعلا لذلك والفعل منه: عدل وحكمة وصواب، فجعله فاعلا والمفعول شر صفة تقتضي عدم الخير كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغني فيحصل الشر في غناه بعدم هذه الصفات [3] .
وعلى ضوء هذا التصور نفهم قول الله: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) .
حيث تفيد الآية أن ما خلقه الله فهو أمر وجودي به كمال المخلوقات وتمامه، أما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله، وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الوجود الذي فيه آفات.
(1) أ. ه كلام ابن القيم رحمة الله 0
(2) أى المصاب بمرض الجذام
(3) شفاء العليل ص 383.