الصفحة 79 من 80

ثم لم يحدد طريقة اشتراك الناس في مال الله الذي أعطاه للجماعة وهل تكون بتأميم المرافق العامة. أم تكون بإشراك العمال في رأس المال، أم تكون بإعطائهم الأجور التي تكفل حاجاتهم الضرورية التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم على حديثه:"من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابة فليتخذ دابة" [142] .

لم يحدد صورة معينة من هذه الصور، وترك الأجيال المتعاقبة تفكر لنفسها في الصورة التي تناسبها، وتتلاءم مع إمكانياتها. ولم يضع - في سياسة المال أو سياسة الحكم - تفصيلات ثابتة جامدة، لكي لا تصطدم بالنمو المطرد في أحوال الجماعة، والتطور المستمر فيها. ولكنه مع ذلك لم يدع هذه الأمور تفلت من الأصول الثابتة. ولم يدعها للناس يتصرفون فيها بلا دليل، بحجة أنهم أعلم بأمور"دنياهم"! فقد كان هذا التصرف الحر - في أوربا، وفي خارج الإطار الإسلامي عامة - شناعة بشعة يندى لها جبين الإنسانية"المتطورة"! كان الإقطاع في أوربا ثم كانت الرأسمالية بكل ما فيها من مظالم غنية عن الوصف. وكلاهما حرام في نظر الإسلام، فهما يجعلان المال - سواء في صورة أرض أو رأس مال - دولة بين الأغنياء وحدهم، ويحرم منه بقية الناس. ثم كان الخلاص منهما هو الشيوعية - أي العبودية المطلقة للدولة، الدكتاتورية المطلقة على الأفراد!

والإسلام - كلمة الله لجميع البشر على الأرض ولجميع الأجيال - لم يكن ليترك الناس لمثل هذا"التطور"الذي يرسفون فيه في الأغلال، وإنما يأخذ بيدهم دائمًا ويرشدهم، حتى وهو يترك لهم حرية النمو وحرية التكيف مع ما يجدّ من الأوضاع، لكيلا يشردوا عن الطريق، ولكي يحتفظوا بتحررهم الوجداني الدائم في جميع الأوضاع وجميع الأحوال.

تلك قصة التطور التي جُنّ بها الناس في القرن العشرين! تطور في أشكال الحياة الظاهرة، وثبات - مع ذلك - في الأصول .. فالإسلام لم يغفل ذلك التطور من حسابه. لم يقف في سبيله. وفي الوقت ذاته لم ينحسر عنه ويترك الناس بلا دليل. إنه يساوق التطور على الدوام ويحفظه من التعثر والانحراف. يحفظه برده إلى القواعد الثابتة في الحياة البشرية. إلى الله والعقيدة. والإطار الدائم الذي يرسم العلاقة التي ينبغي أن تكون بين أفراد الجنس الواحد، الذين انبثقوا من نفس واحدة، وما تزال تصل بينهم الأرحام.

وبذلك يكون الإسلام دين الفطرة.

وهو كذلك منهج الحياة [143] .

[116] سورة الحشر [7] .

[117] "يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى"سورة طه [7] انظر فصل:"تعبد الله كأنك تراه".

[118] سورة الجاثية [18] .

[119] انظر بالتفصيل في هذا الشأن كتاب"العلم يدعو للإيمان"تأليف أ. كريسي موريسون وترجمة محمد صالح الفلكي وكتاب"مع الله في السماء"تأليف الدكتور أحمد زكي.

[120] سورة البقرة [30] .

[121] سورة النساء [1] .

[122] سورة النساء [1] .

[123] سورة الروم [21] .

[124] سورة النساء [1] .

[125] سورة الحجرات [13] .

[126] سورة المؤمنون [12] .

[127] سورة الحجر [29] .

[128] سورة الشمس [7 - 10] .

[129] في كتاب"شبهات حول الإسلام"في فصل: الإسلام والمرأة، بحث تفصيلي لعلاقة الرجل والمرأة وطبيعتها في الإسلام، وقد بينت هناك كيف عالج الإسلام الأمر في عدالة كاملة، وكيف أن"التطور"المزعوم لا يضيف شيئًا لهذه العدالة أما التطور بمعنى الفساد الخلقي أو بمعنى المساواة الآلية بين المرأة والرجل، فقد كانت له ظروف محلية في أوربا - شرحتها هناك - وليس"قيمة"حقيقية من القيم الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت