الصفحة 78 من 80

وكذلك بعض التشريعات المدنية لها صفة الثبوت كالبيع والإيجارة والرهن والدين والوكالة .. إلخ فكانت لها تشريعات ثابتة. ومما يلفت النظر في هذا الشأن أن التشريع الفرنسي الحديث في المسائل المدنية قد أخذ كثيرًا عن فقه مالك، إذ كان أقرب الفقهاء - جغرافيًا - إلى فرنسا بسسب انتشار مذهبه في الشمال الإفريقي! كما أن الفقه الأوربي كله قد أخذ عن الفقه الإسلامي حين أعطى المرأة أخيرًا جدًا حق الملك والتعامل والتصرف الحر في الشئون المدنية [131] .

أما الجانب المتطور من الحياة البشرية، وهو في الوقت ذاته متصل بالجانب الثابت، فهو سياسة الحكم وسياسة المال، و"شكل"المجتمع أو شكل البيئة، من بدوية إلى زراعية إلى تجارية إلى صناعية ... إلخ.

وتلك أمور كما قلنا تتطور بتطور العقل البشري وتفاعله مع الكون، ولكنها في تطورها لا تنفصل عن الأصل الثابت، ولا يمكن أن تنفصل، بحكم وحدة الإنسان وترابطه، واستحالة تجزئته وتقطيعه وفصل بعضه عن بعض.

وفي هذه الأمور كان الإسلام حكيمًا غاية الحكمة، مساوقًا للفطرة، ملبيًا لحاجاتها، فوضع الخطوط العريضة ولم يضع التفصيلات. أو وضع"الإطار"الذي يريد للبشرية أن تتطور في حدوده، وترك لكل جيل من الأجيال المتعاقبة أن يضع"الصورة"في داخل الإطار. الصورة التي تناسبه، وتتفق مع ظروفه المادية ومبلغ من العلم والإنتاج. بشرط واحد: هو أن تكون الصورة على قدر الإطار، لا أكبر منه فيتحطم، ولا أصغر منه فيبدو حولها الفراغ.

في سياسة الحكم وضع أساسين: العدل والشورى:

(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [132]

(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [133] .

ثم لم يحدد طريق الشورى. وهل يكون مجلس واحد أو مجلسان. وهل ينتخب المجلس أو يعين. وهل يكون التمثيل شخصيًا أو مهنيًا .. إلخ .. إلخ وترك ذلك للتجارب البشرية واجتهادها في التطبيق.

وفي سياسة المال وضع مجموعة من الأسس ذات طابع واحد يجمعها في النهاية. هو ضرورة اشتراك الناس في الخير، بحيث لا يكون هناك محروم.

قرر القرآن أن المال في الأصل مال الله، وهو أعطاه للجماعة: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [134] (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [135] .

وقرر أن الجماعة هي صاحبة الحق الأول فيه، وأن الفرد"موظف"فيه، يستحقه بحسن قيامه عليه، فإذا لم يحسن القيام عليه عاد حق التصرف فيه إلى الجماعة: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) [136] .

وقرر أن الله يكره حبسه في يد فئة قليلة من الناس تتداوله فيما بينها ويحرم منه مجموع الأمة (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [137]

وقرر فريضة الزكاة على الأموال حقًا معلومًا للفقراء، تأخذه لهم الدولة وتعطيه لهم من بيت المال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا .. ) [138]

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" [139]

ويقول: لأن يمنح أحدكم أخاه (أرضه) خير له من أن يأخذ خرجًا معلومًا" [140] "

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:"لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهليها. كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر" [141] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت