فمن الناحية النفسية فإن النفس تميل إلى هواها وتكره القيود وتنفر كما تنفر الدواب من العقال. ومن هنا كان الحكم بما أنزل الله أول ضرورات الواقع الاجتماعي. لأن الحكم بما أنزل الله هو مقتضى وعد الله بإظهار الدين، رغم السنة الثابتة بقلة أهل الحق، ذلك أن السلطة الإسلامية هي غلبة القلة الخيرة. ومن هنا ارتبطت ضرورة الحكم الإسلامي لمواجهة فسق الكثرة في قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة: 50، 49) .
فالحكم، لقوم يوقنون: واليقين، هو: الاطمئنان إلى الحكم.
ومن هنا كان الحكم بما أنزل الله هو المعالجة النفسية الوحيدة لتطمئن النفس إليه كاطمئنانها إلى نفسها.
وقد كان لحقيقة غلبة الخير رغم قلة أهله عدة مقتضيات فقهية ومنهجية؛ لعل أهمها هو الحكم على الديار باعتبار شخص الحاكم والسلطة القائمة ونظام الحكم، إذ تصبح الدار إسلامية إذا كان الحاكم مسلمًا، والحكم فيها بما أنزل الله حتى لو كان قاطنيها غير مسلمين.
كما يقوم مفهوم السلطة الإسلامية على سنة نفسية واجتماعية؛ وهي أن السلطان - بقدر الله - له أثره في الواقع البشري، وهو مضمون قول عثمان بن عفان:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وباعتبار الفاعلية القدرية لموقع السلطة في واقع البشر جعل الله في هذا الموقع تقابلًا بين الخير والشر يحقق التوازن - بقدر الله - ودليل ذلك قول النبي في الحديث الذي أورده البخاري في كتاب القدر عن أبي سعيد الخدري قال:"ما استخلف خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله".
ومن هنا كان لاختيار الحكم تصور ثابت يضمن تحقيق التوازن بين اختيار الحاكم من قبل الناس مع علم الله بمن يستحق هذا الاختيار. ويضمن هذا التوافق حقيقتان أساسيتان في اختيار الحاكم:
الأولى: النهي عن تزكية النفس، ودليله قوله عز وجل: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (النجم: 32) .
وعلة النهي عن تزكية النفس هي أن الله يزكي من يشاء كما قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (النساء: 4) .
لهذا جاء رجل إلى النبي يعرض أسلوبًا دعائيًا فيقول: أعطني فإن مدحي زين وذمي شين. فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا ً:"ذاك الله" [1] .
(1) [صحيح] أخرجه الترمذي في (تفسير القرآن / بـ ومن سورة الحجرات / ح 3267) من حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِهِ (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ذَاكَ اللَّهُ] ، وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الترمذي / 3/ 107 / ح 2605) .