المستوي الثاني:
والحقيقة الأولى في فهم الإنسان على المستوى الثاني أن الروح فيه هي الأصل، وأنها هي بدايته وهى نهايته
وهي هو على وجه التحديد.
وأن الجسد فيه تجسيد وإظهار لحقيقته الروحية،
وإثبات هذه الحقيقة هو أساس فهم الإنسان ..
فالروح هي العقل المدرك لحقائق الربانية.
المقابل للمخ الجسماني (مجموع الخلايا النابضة) .
والروح هي القلب؛ بمعنى: اللب الواعي للعقائد والصواب (المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله) .
المقابل للقلب (مضخة الدم) .
و الروح هي الشخصية.
ألم يتميز داود وهو لم يزل بعد في عالم الذر حتى أعطاه آدم أربعين عامًا من عمره؟ [1] .
ألم يصف الحديث الروح بالطيبة والخبث، وكان وصفًا قائمًا بها فقال رسول الله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث قبض الروح من الجسد:"أيتها الروح الطيبة ... أيتها الروح الخبيثة ..." [2] الحديث.
ومعنى الروح هي الشخصية .. أنها
تعني ضمنيًا أن تكون هي العلاقة بين الإنسان وغيره .. والروح هي مصدر الفاعلية في مجموع هذه العلاقات البشرية.
ولذلك بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن"الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" [3] .
أما الجسد فهو أداة إظهار للروح.
لأن الجسد بالنسبة للإنسان ضرورة إظهار.
و إظهار الروح ضرورة في كل أحوالها، ولذلك بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الروح في حال نزعها مؤمنة تكفن بحنوط من الجنة، وأن الروح في حال نزعها كافرة تكفن بحنوط من نار .. وأن روح الشهداء في حواصل طير خضر .. فالكفن والطير والجسد القائم بالروح الآن هي مجرد ضرورة إظهار لها. يمكن أن تتغير وتتبدل في أي ظرف من الظروف.
أما الفطرة فهي معيار الحق في كيان الإنسان.
مثلما كان العقل أداة إدراك الحق بالنسبة للمخ (أداة التفكير البحت) .
وكان القلب الذي هو (اللُب) موضع الإيمان بالنسبة للقلب الذي هو: (مضخة الدم) .
وبذلك يكون العقل والقلب والفطرة هي ركائز الربانية في كيان الإنسان.
أما العقل: فقد جاء بعدة معاني:
ـ العقل بمعنى الإدراك من حيث السن:
عن الزهري، عن محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين، من دلو. [4] "البخاري".
وَكَانَ عبد الله بنُ عَمْرٍو يُعَلّمُهُنّ مَنْ عَقَلَ مِنْ بَنِيهِ وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ كَتَبَهُ فَأَعْلَقَهُ عَلَيْهِ" [5] ."سنن أبى داود"."
ـ العقل بمعنى الرشد:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا حج الصبي فهي له حجة حتى يعقل، وإذا عقل فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي فهي له حجة، فإذا هاجر فعليه حجة"
أخرى" [6] "
(1) [صحيح] وقد تقدم في الذي قبله.
(2) [صحيح] أخرجه الحاكم في (المستدرك / 1/ 94) ، وعبد الرزاق في (المصنف / 3/ 580) ، وأحمد في (المسند / 18140) من حديث البراء.
وصححه الشيخ الألباني في (شرح الطحاوية / ص 525) وغيره.
(3) [صحيح] أخرجه مسلم في (البر والصلة / بـ الأرواح جنود مجندة / ح 2638) من حديث أبي هريرة.
(4) [صحيح] أخرجه البخاري في (العلم / بـ متى يصح سماع الصغير / ح 77) من حديث محمود بن الربيع.
(5) [ضعيف بهذا اللفظ] أخرجه أبو داود في (الطب / بـ كيف الرقى / ح 3893) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الشيخ الألباني في (ضعيف أبو داود / 385 / ح 840) :
"حسن دون قوله وكان عبد الله ."
(6) [صحيح] أخرجه بن خزيمة في (صحيحه / 4/ 349 / ح3050) مرفوعا، وقال: الموقوف صحيح بلا شك. اهـ
قال الشوكاني في (النيل / 4/ 349) : وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ وَأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ , وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ شُعْبَةَ مَوْقُوفًا , وَلَكِنَّهُ قَدْ تَابَعَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَلَى رَفْعِهِ الْحَارِثُ بْنُ شُرَيْحٍ , أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَالْخَطِيبُ , وَيُؤَيِّدُ صِحَّةَ رَفْعِهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْفَظُوا عَنِّي وَلَا تَقُولُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ , وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الرَّفْعِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ:"لَوْ حَجَّ صَغِيرٌ حَجَّةً لَكَانَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى"وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ , فَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّ الصَّبِيِّ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إذَا بَلَغَ. اهـ
وقد صحح رفعه الشيخ الألباني في تعليقه على (صحيح ابن خزيمة / 4/ 547) .
قلت: ولو كان الصحيح هو وقفه فإنه يأخذ حكم الرفع، لأن هذا مما لا يقال بالرأي، والله أعلم.