شحذ الهمم
لفهم
أصول بناء الأمم
(1 من 5)
بقلم الشيخ / أبي عبد الرحمن المصري
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستهديه و نستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، واشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله، بلغ الرسالة و أدى الأمانة ونصح الأمة و كشف الغمة و جاهد في الله حق جهاده، و تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن قومه و رسولا عن العالمين، أما بعد أقول وبالله التوفيق ...
إن أي كيان من البشر يتكون لا يمكن أن يصبح أمة حتى يستوفي شروطا و تسقط من أمامه موانع أو يتخطاها، فمثلا الأسرة، الخلية الأولى في المجتمع، لا يمكن أن تكون نسيجا منتظما إلا بالترابط بعضها مع بعض، وبالترابط مع أسر أخرى تتحد معها في المفاهيم و يكون لها نفس الأهداف و تتبع نفس الوسائل و الطرق لتحقيق هذه الأهداف (ولو تباينت) ، لذلك فإن عملية فهم الأصول التي تبنى عليها الأمم تحتاج إلى وقفة طويلة، حتى لا نقطع المفاوز يمينا وشمالا و نضل عما نريد، و حتى يتحقق فينا قول الله تبارك و تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} .
ولقد قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - طريقا مليئا بالحفر مستعينا بالله وحده في مراحل و مع الصحابة في مراحل أخرى، إلى أن من الله عليه ببناء أصول الأمة الإسلامية التي ظلت تحكم جزءا كبيرا من العالم، من زمنه - صلى الله عليه وسلم - إلى عام 1924 الذي سقطت فيه الخلافة.
فهل أدركنا هذه الأصول التي بنى عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه الأمة؟ وماذا كان جزاء هذه الأمة حينما تركت هذه الأصول؟
وهل نحن قادرون بعون الله وتوفيقه على إعادة هذا البناء أم لا؟
إنها بداية ليست بالسهلة ولكن الله المستعان على هذه القضية التي حيرتنا وحيرت أجيال كثيرة من المسلمين، فنبدأ بإذن الله في النظر فيها.
ولكي لا نضيع الوقت ولا نشتت فكرنا في مجاهل الروايات والاستنتاجات، نركز فكرنا على أسئلة معينة تقودنا إلى الإجابة على الأسئلة الثلاثة الآتية الذكر:
-هل بناء الأمم كان (ولا يزال) يقوم على أسس ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان أم لا؟
-ماذا كان يعتري الأمم من الأمراض التي تؤدي إلى انحلالها ثم انهيارها؟
-ما هي الأصول التي بنى عليها النبي r هذه الأمة؟
بناء الأمم الغابرة والحاضرة:
إن دراسة بناء الأمم المعروفة في التاريخ ليس بعيدًا من نهجه - صلى الله عليه وسلم - وليست بالتأكيد بدعة مما جاء به، فإن ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وحي من الله {إن هو إلا وحي يوحى} 0ولكن كثر الخلط في زماننا وكثر الاستدلال بأمم الكفر واستخراج أشياء من تاريخ هذه الأمم ما أنزل الله بها من سلطان، بل و نقل أقوال الكفار وتتبع خطاهم لعل وعسى أن ندرك ما أدركت هذه الأمم -ولا حول ولاقوه إلا بالله- لذا وجب أن نوضح أصول (أسس) بناء الأمم حتى لا يشت بنا الفكر فنخرج من الأصول إلى إشكال التطبيق، فنضل ونضل والعياذ بالله.
سنتعرض بالشرح التفصيلي إن شاء الله إلى الأصول التالية التي نرى أنها أهم أسس لبناء الأمم:-
1 -العقيدة.
2 -ثبات التشريع المميز ووضوحه.
3 -التربية للأجيال الحاملة للفكر والعقيدة.
4 -التضحيات اللازمة لإقامة الأمة.
5 -الاستمرارية والثبات (التطور من خلال التطبيق) .
6 -الأمراض القاتلة للأمم.
الفصل الأول
العقيدة (الأيدلوجية)
إن الأمم العظمى الغابرة والحاضرة لا تقوم إلا على عقيدة (أو أيدلوجية كما يقولون) فترى حضارة الأمم الفرعونية كانت مجمل عقيدتها أن الفراعنة أبناء الآلهة، ولهم السمع والطاعة العمياء وغيرها من أشكال العبودية، وقام الكهنة بتزيين هذه العقيدة لمن رضي بها، وفرضها على من لم يرض بها، وقتل وقتال من امتنع عنها، ولنا في قصص سيدنا موسى عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام عبرة وعظة مما يؤكد أمر العقيدة في بناء الأمة الفرعونية (ألك إله غيري؟) وهي عقيدة عبادة البشر للبشر، ثم ننتقل إلى الأمة الإغريقية والرومانية والفارسية فلا تجد في هذه الأمم الثلاث إلا أساطير الإله والمعتقدات التي بنيت على هذه الأساطير، وهذه العقائد التي يدين بها الملوك والأباطرة يحيطها الملأ (الكهنة والدعاة) الترغيب لمن عبد ما يعبدون، والترهيب والتنكيل لمن حاد عنها وقاومها (وإن اختلفت هذه المعبودات وطرق العبادات عما قبلها) وما كانت إلا محاولة جادة للتنقيب عن السنن الكونية والقانونية الربانية التي وافقتها تلك الحضارة والأمم فبنت ودامت ثم أصابتها أمراض فضلت حتى انهارت وانتهت.
وقد أرسل الله سبحانه وتعالى لهذه الأمم عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لكي يصحح عقائد هذه الأمم ولكنهم أصروا على ما هم عليه فنالهم من الله العقاب.
ولكن من الواضح أمامنا في هذه الأمم أنها بنيت على عقيدة معينة، رغبت فيها الحكومات فألزمت بها ونكلت بكل من قاومها (وهي عقائد جزاؤها في الدنيا تقوم على تقديس الإله المصنوع والتي لا تنفع ولا تضر ولكن يعبد لها الناس ويأتمروا بأوامر سنتها) .
ثم ننتقل إلى العصر الحديث فنرى التيار الشيوعي (الذي انتهى بفضل الله) بدوله المعروفة -روسيا والصين والكتلة الشيوعية عامة- يقوم على عقيدة ثابتة معروفه لمن قرأ كتبهم ألا وهى: مادية التفكير (أي الفكر اللاديني) ، ثم تليها الاشتراكية الصناعية (امتلاك الدولة لجميع وسائل الإنتاج وأشكال الصناعة المختلفة) ، وأخيرا المجمعات الزراعية (إنشاء مجمعات زراعية تجمع الزراع والأراضي بسياسة تضعها الدولة وتكون هذه كلها ملك للدولة) ، وهو ما يعرف باستعباد البشر لتقويه المجتمع، ويصبح الإنسان في هذه الأمم ترس في ماكينة يخدم المجتمع ليس له إلا الأكل والشرب والمسكن والشهوات، مثله مثل قطعان الماشية والحيوانات التي تربى للخدمة.