الصفحة 37 من 75

وفي هذه الأمم تدرس هذه العقيدة في المجتمع، ويذبح فيها من أبى، وقد عرف"حقيقة الصراع الدموي بين الطبقات"، طبقه البرولتاريا (العمال) التي هي صاحبة المصلحة والعقيدة في المجتمع، وبين طبقه البرجوازية (الأغنياء وأصحاب الأعمال والأراضي) وقتلهم طبقا لهذه العقيدة.

وعلى هذه العقيدة بنيت الأمم الشيوعية، فلما طال عليها الأمد ولم تحقق ما وعدت به، وذلك لمخالفتها أوامر الله (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) .

وأما الأمم الغربية الرأسمالية فقد انتهجت نهجا مخالفا ظاهريا ولكن تبعا لعقيدة واضحة، ألا وهي تقديس الفرد أو تقديس النظام الديموقراطي حقيقة (وهو تقديس حق التشريع للبشر) وترجموها بالحرية المطلقة للأشخاص في المجتمع في كل شيء والحرية الفكرية، وتركوا لهم حق التشريع مع عدم المساس بالعقيدة (وهذا تناقض فظيع) وتقدموا من خلال ذلك لاستعمار الأراضي في كل بقاع العالم للعيش على خيراتها (وهذه هي عقيدتهم الواضحة الثابتة) وكانت هذه العقيدة هي مفتاح الحضارة الغربية وفي نفس الوقت هي نفسها سبب تدميرها، حيث انطبق عليها قول الله تعالى {فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} فأصابتهم الأمراض الاجتماعية من انتشار الزنا والشذوذ وتقطيع الأرحام، والأمراض العضوية بأشكالها وألوانها من السرطان والإيدز وغيرها من الأمراض الخطيرة، حتى انهم باتوا يخافون أن تقتلهم الأنفلونزا (جزاء بما كانوا يفعلون) ، ومن الحقائق التي ذكرناها آنفا أن الأمم الغربية قامت على عقيدة واضحة صريحة (ألا وهي تقديس الأفراد وإعطاؤهم حق التشريع بالأكثرية وهي التي يصطلح عليها بالديموقراطية) وقامت فرغبت شعوبها فيها وأرهبت وأرغمت من لم يدن بها على السير تبعا للأنظمة الموضوعة لهذه العقيدة.

ونعود على بدء لنرى أمة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كيف قامت، ويكفينا في هذه العجالة قولة ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم عظيم الفرس ليوضح لنا أصل عقيدة هذه الأمة {خير أمة أخرجت للناس} حيث يقول: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد لعبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة 000وضوح تام في فهم العقيدة التي بنيت عليها هذه الأمة.

إن أصل بناء

الأمم و أساسه

هو العقيدة

ولقد بنيت هذه الأمة على عقيدة توحيد الله بالعبادة طمعا في الجنة وخوفا من عذاب النار، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقف في المواسم ويقول:"من يجيرني حتى ابلغ دعوة ربي وله الجنة"، وهذه تعني أن من يعتقد بما يدعوا إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحميه هو ودعوته، فجزاءه أساسا في الآخرة، ولذا كانت الشهادة (القتل في سبيل الله) عند صحابته وعند المسلمين أعلى درجات الفوز.

وفي الأمم الأخرى عكس ذلك"جئتكم برجال يحبون الموت كما تحبون الحياة"كما قال أحد قادة المسلمين رضوان الله عليهم. وضوح في الاعتقاد بنى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بمدد من الله، ومن هنا تتقرر حقيقة و سنة كونية لا تتغير: إن أصل بناء الأمم و أساسه هو العقيدة.

ونرى على عكس ذلك ممالك و أمم قامت وانهارت في فترة وجيزة، لأنها لم تبن على العقيدة، أو أنها ورثت عقيدة ولم تقيمها ولكن أخذت منها وتركت، فاختل نظامها ولم تستقر، فاهتزت وسقطت عند أول صدمة قوية، ونضرب لذاك مثلا بسيطة للسنة الكونية في البناء، فكل جدار يبنى تكون لبناته متناسقة ومنظمة حسب ما هدى الله إليه البناء (من أصول البناء) ، فهذا يبني جدارا سمكه 50 سم من الطين المحمر، يبنيه بنظام معين يختلف عن ذلك الذي يبني جدارا بالطوب الأحمر سمكه 28 سم يربط لبناته بالإسمنت المخلوط بالرمل والماء، ويحدد بنيانه بخيط محدد ويرتفع بخيط فيه مثقال، فهل يمكن أن نبني جدارا بالطين والطوب الأحمر والإسمنت والرمل بدون نظام أو ترتيب أو خيط؟ لو سألت بناءً هذا السؤال سيضحك من ذلك، لأن ذلك التركيب لا يقيم جدارا، ولو أقيم سينهار في أي وقت، ومثله أن تكتب على ورقة بيضاء بقلم ابيض ثم بأزرق ثم بأحمر، فمن ينظر إلى الورقة يتهمك اتهامات مختلفة، أهمها أنك لا تدري أصول الكتابة، وهكذا تكون نتيجة عدم معرفة (أصول بناء الأمم) مؤديه إلى أخطاء قاتلة في بناء الأمم.

وحسبما تكون ضخامة هذه الأخطاء (في أصول البناء) حسبما يكون تأثير هذه الأخطاء وسرعة ظهورها في حياه الأمة وتكوينها، ونضرب لذلك مثالا آخر بسيطا، فلو أن حكومة معينة قررت رفع سعر سلعة معينة فان ذلك سيؤدي إلى اضطراب السوق لهذه السلعة خاصة وللسلع الأخرى تدريجيا، أو إلي احتكارها بطريق أو بآخر لرفع سعر السلع الأخرى، فمثلا إذا ارتفع سعر الخبز ارتفعت أسعار سلع كثيرة جدا، وإذا ارتفع مثلا سعر البترول ارتفع معه سعر جميع السلع لأنه هو المحرك الرئيسي للنقل وجميع السلع، وبالتالي ارتفاع سعر السلع كلها.

أنظر إلى هذا التصرف وكيف أنه يؤثر على جميع من يعيش تحت سلطان هذه الحكومة، ثم نكبر هذا المثال الذي ذكرنا إلى مثل يبين كيف يكون تأثير العقيدة مدمر على الأمم، فحينما بدا المسيح عليه السلام دعوته في الدولة الرومانية التي كانت تعبد آلهة كثيرة غير الله طارده الرومان بوحي من اليهود و أرادوا قتل المسيح الذي يريد أن يغير عقيدتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت