والحقيقة الثالثة: أن هذه الحقوق والضمانات ذاتها - بل مسرحية الديمقراطية كلها بما فيها من حريات وضمانات وتمثيل برلماني.. الخ - قد ركب اليهود موجتها، ووجهوها في النهاية لحسابهم الخاص، وجعلوها جزءًا من مخططهم الشرير (1) !
ركب اليهود الثورة الفرنسية، ورفعوا عليها شعارهم الماسوني: الحرية والإخاء والمساواة، ووجهوها الوجهة التي يريدونها هم، بصرف النظر عن كونها تحقق - أو لا تحقق - مصالح الثوار أنفسهم!
كانت الثورة في أصلها قائمة ضد رجال الدين لطغيانهم وإذلالهم لكيان البشر، سواء طغيانهم الروحي أو المالي أو العقلي.. ومساندتهم لمظالم الإقطاع بحكم أنهم هم أنفسهم من كبار الإقطاعيين! وكان تحطيم هذا الطغيان ضروريًا لتنطلق الحياة في مسارها الطبيعي، ولتتقدم الحياة وتترقى حين تفك عنها الأغلال التي فرضتها الكنيسة وقام على حراستها رجال الدين.
وكانت فرصة سانحة لتصحيح"الدين"بعد إزاحة رجاله المحترفين من الطريق، وهم الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، ويدعون الناس للزهد وهم غارقون في ترف فاجر يعف عنه الرجل العادي ولو كان من غير المتدينين!
ولكن اليهود ما كانوا يريدون للناس أن يصححوا دينهم! فهم على العكس من ذلك يكرهون أن يكون للناس دين، فضلًا عن أن يكون هو الدين الصحيح، الذي يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحرم عليهم الفساد في الأرض. والدين عامة، والدين الصحيح خاصة، عدوهم الأول والأكبر، الذي يسعون إلى إفساده وتدميره، لينهار الحاجز الأكبر الذي يحول بينهم وبين تنفيذ مخططاتهم الشريرة من أول التاريخ إلى آخر التاريخ!
لذلك أسرع اليهود بركوب موجة الثورة ليوجهوها حيث يريدون هم، وحيث تقتضي"مصالحهم".. فوجهوها ضد الدين ذاته لا ضد رجاله فحسب! وقامت في أوربا أول دولة علمانية لا تجعل الدين قاعدة لحياتها.. وكانت خطوة"إلى الأمام"في
(1) راجع - إن شئت - فصل"الديمقراطية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".