الصفحة 193 من 251

وتقتيلهم، على طريقة الإنجليز الشهيرة:"فرق تسد"!

كانت أوربا الكافرة ستمضي قدمًا في"حضارتها"المادية، وفي صراعاتها الداخلية التي كان من نماذجها"الحرب الإيطالية"التي استغرقت من عام 1494 إلى عام 1559 م، وشهدت انتقال السلطة من دولة إلى دولة أكثر من مرة (1) ، دون أن تسري عدوى ذلك التحضر الكافر إلى بقية بلاد العالم، ودون أن يُنظر إلى الكفر على أنه ضرورة من ضرورات التحضر! ولا إلى الدين في ذاته على أنه عقبة في طريق التقدم، إلى آخر ما سممت به"الحضارة الأوربية"أفكار الملايين في شتى بقاع الأرض، وتوهمت تلك الملايين أنه حقيقة بسبب غياب النموذج الصحيح.

وكانت أوربا الكافرة ستتقدم في العلم، بما تعلمت من علوم المسلمين، وعلى هدي المنهج التجريبي خاصة، الذي ابتدعه المسلمون ونقلته أوربا عنهم. ولكن هذا النموذج المنحرف، الذي يخيّر الناس بين العلم وبين الإيمان بالله، ويعجز عن التوفيق بين أمرين لا تعارض بينهما في الفطرة السوية، لم يكن ليفتن البشرية كما فتنها اليوم، لأن النموذج السويَّ، الذي يتقدم في البحث العلمي وهو مُؤمن، ويُمارس هذه النعمة الكبرى: نعمة التوافق والتناسق والتوازن، مع تحقيق مكاسب العلم في الوقت ذاته، كان هو الذي سيجذب الناس إليه، لأنه يمثل وضع الفطرة السوية.

وحين يرى الناس النموذجين المختلفين: أحدهما يتقدم في العلم وهو عابد لله شاكر لأنعمه، متخلق بأخلاق الإيمان، محافظ على روابطه الأسرية، مُطمئن النفس من القلق والجنون والأمراض النفسية والعصبية، عازف عن الخمر وما شابهها مما يُذهب الوعي، مُطمئن لعرضه، مُطمئن لطهارة ماله، شاعر أنه يعيش من أجل قيم عليا يُجاهد في سبيلها..

والآخر يتقدم في العلم، ولكن بينه وبين الله جَفْوة، روابطه الأسرية مُفككة،

(1) من المراجع الجيدة في هذا كتاب"أوربا في مطلع العصور الحديثة"للدكتور عبد العزيز محمد الشناوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت