الصفحة 19 من 251

المصطلح القرآني الذي نلتزم به، ليست مقابلًا للقوّة الماديّة، ولا العمارة الماديّة للأرض، ولا العلم بظواهر الحياة الدنيا. فقد وصف الله جاهليات كثيرة في التاريخ بالقوّة والعلم وعمارة الأرض، فلم ينف عنها ذلك كلّه أنها جاهلية، ولم يحمها من المصير المحتوم الذي قدره الله للجاهلية بحسب السنن الربانية.

(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) . [سورة فصلت، الآية 15] .

(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ(1) وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) . [سورة الروم، الآية 9] .

(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) . [سورة الروم، الآيتان 6 - 7] .

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) . [غافر، الآيتان 82 - 83] .

أمر آخر يعترض في أذهان الناس، حين نصف الحضارة الغربية المعاصرة بأنها جاهلية. ذلك هو تصورهم أننا ننفي عن الجاهلية أن يكون فيها أي خير على الإطلاق، ونَصِمُهَا بأنها شَرٌّ بحتٌ. فإذا وجدوا في الجاهلية المعاصرة جوانب من الخير رفضوا وصفنا لها بأنها جاهلية، وتصوروا أننا نفتئت عليها بهذا الوصف!

وليس الأمر كذلك! فما من جاهلية من جاهليات التاريخ خلت من جوانب من الخير، ومن أفراد خيّرين! وإذا كان القرآن الكريم - لحكمة معينة - قد ركز على جوانب السوء في الجاهلية والجاهليين، فإن السنة النبوية المطهَّرة قد فصلت الأمر،

(1) أي لما دمر عليهم حين كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بما جاءوهم به من البينات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت