فلنتصور جدلًا أن الأمة الإسلامية ظلت قائمة برسالتها، مُمكنة في الأرض حسب وعد الله لها، حين تعبده لا تشرك به شيئًا. فما الذي كان قمينًا أن يحدث؟!
كان يمكن - في أسوأ الأحوال - أن تكفر أوربا وحدها ولا يُؤثر كفرها على بقية الأرض.. فإن تضخم أوربا على الصورة التي وصلت إليها، واتساع سلطانها، وسيطرتها سياسيًّا واقتصاديًّا وحربيًّا وثقافيًّا لم يحدث إلا بسبب ضعف الأمة الإسلامية. وإلا فأين كانت أوربا؟ وكيف كانت، حين كانت بقية من القوة في حوزة الأمة الإسلامية؟!
وهل تضخمت أوربا، وبلغت قوتها ما بلغت، وبلغ سلطانها ما بلغ، إلا حين استعمرت العالم الإسلامي ونهبت خيراته؟!
إن هناك وهمًا"تاريخيًّا"يعشش في أذهان كثير من الناس، مؤداه أن أوربا من ذات نفسها، بقوتها الذاتية، وبنوعية شعوبها، قد صارت إلى ما صارت إليه، وبسطت سلطانها على العالم.. وأن هذا الأمر كان في طريقه أن يقع مهما كانت أوضاع العالم من حول أوربا، ومهما كانت نسبة القوى العالمية بعضها إلى بعض..!
والذي ثبّت هذا الوهم في أذهان الناس دون شك هو كونه واقعًا حدث بالفعل! وللواقع دائمًا ثقل في حسّ الناس! ولكن هذا الواقع قد حدث لأسباب! والسبب الأكبر فيه هو ضعف العالم الإسلامي! وإلا فلنتصور فقط أن الدولة العثمانية - وهي المرحلة الأخيرة من مراحل القوة الإسلامية - قد بقيت على قوتها، فهل كانت تجرؤ أوربا على استعمار العالم الإسلامي؟!
يقول أحد المبشرين في بدايات القرن العشرين الميلادي - قبيل انهيار الدولة العثمانية - إن أوربا كانت تخشى الرجل المريض (وهو مريض!!) لأن وراءه ثلثمائة مليون من البشر على استعداد للقتال بإشارة من أصبعه!
فإذا كان هذا موقف أوربا من الرجل المريض، فكيف كان موقفها منه وهو قوي؟! ولنتصور فقط أن الجيوش العثمانية التي حاصرت بطرسبرج (لننجراد حاليًّا) من سنة 1707 م إلى سنة 1711 م قد دخلتها، وأن الجيوش التي حاصرت فينا في