ولم يكن لديهم رصيد سابق يرجعون إليه، إنما كان العلم الموجود في الأرض يومئذ هو العلم الإغريقي. فتعلّم المسلمون اللغة الإغريقية (واللاتينية) (1) ، ليحصِّلوا ما كان موجودًا من العلم يومئذ، ويُشبعوا هذه الرّغبة التي تولدت عندهم في التعرف على السنن الربانية التي يُجري الله بها"ظواهر الطبيعة".
وكان العلم لدى الإغريق"نظريات"علمية، وفلسفية، لا تتجه إلى التجريب. إنما يكفي أن تعرض على"العقل"فإن أقرها - بصورة من الصور - فهي صحيحة بصرف النظر عن واقعها العملي، وإن لم يقرّها فهي غير صحيحة بصرف النظر كذلك عن واقعها العملي.
ولكن اتجاه المسلمين - الذي اكتسبوه من توجيهات الكتاب والسنة - لم يكن كذلك. إنما كان اتجاهًا علميًّا من جهة، ومبنيًّا على الملاحظة الدقيقة من جهة أخرى.
ومن ثم بدأ المسلمون"يجربون"ما تلقوه من علوم الإغريق. وكان من بين ما أرادوا تجريبه للتثبت منه"حجر الفلاسفة"، الذي زعم الإغريق أنه يُضاف إلى المعادن الخسيسة فتتحول إلى ذهب وفضة!
وفي المعمل التجريبي أخذ المسلمون يصهرون الحديد والنحاس وغيرها من المعادن"الخسيسة"ويضيفون إليها مواد أخرى لعلها تتحول إلى ذهب وفضة! ولم تتحول بالطبع! ولكن التجربة جعلت المسلمين يتقدمون تقدمًا هائلًا في علمي الفيزياء والكيمياء، ويتعرفون على كثير من خواص المادة التي كانت نواة لانطلاقة علمية هائلة في مختلف الاتجاهات!
وفي الطريق صحح المسلمون بعض أخطاء العلم الإغريقي، وكان من بين ما صححوه تصورهم أن الإبصار يتم بخروج شعاع من العين يسقط على المرئيات فتراها العين، فأثبتوا أن العكس هو الصحيح، وأن الشعاع يسقط من المرئيات على العين فتدرك وجودها.
واكتشف المسلمون الدورة الدموية، وتقدموا في علم الطب.
واخترعوا علم الجبر الحر لحل المسائل الرياضية المعقدة.
(1) كان كثير من العلم مترجمًا إلى اللغة اللاتينية باعتبارها اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية الغربية.