الصفحة 152 من 251

في التجربة اليهودية أخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم وشهواتهم، وتركوا عالم القيم جفاءً واستهتارًا وتمردًا على أوامر الله، وتبجحًا في الوقت ذاته بأنهم هم الناس ومن عداهم دواب!

وفي التجربة النصرانية تركوا متاع الأرض، لكي يحققوا القيم العليا في عالم الروح المنعتقة من أغلال الجسد، في رهبانيتهم التي ابتدعوها، فما رَعَوْها حق رعايتها، وانقلب أكثرهم فاسقين!

وفي التجربة الإسلامية أفلح البشر فيما أخفقوا فيه من قبل.

عاشوا حياتهم الأرضية الواقعية على ضوء القيم التي آمنوا بها.. فالتقى الواقع بالمثال!

انطلق الرجال يمشون في مناكب الأرض يبتغون من فضل الله، ويتزوّجون وينسلون، ويأخذون قسطهم من المتاع المباح، وفي الوقت ذاته يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ويرتفعون على متاع الأرض كله في لحظة حين يدعو إلى ذلك داعي الجهاد، دون أن يفقدوا توازنهم، أو يخرجوا عن بشريتهم، أو يكبتوا دوافعهم..

وانطلقت المرأة بكل"إنسانيتها"تبني.. تبني مجتمعًا لا مثيل له في التاريخ..

لقد تحررت.. تحررت من أوضاعها المذلّة التي عاشتها في الجاهلية.. وتحررت من نظرة المجتمع لها، ونظرتها لنفسها في حدود عالم الحس القريب، التي كثيرًا ما تقترب من عالم الحيوان!

تحررت فشعرت أنها"إنسانة"، وأنها تعيش لهدف"إنساني"ضخم، هو بناء مجتمع ذي عقيدة، مجتمع ذي قيم عليا، مجتمع ذي فضائل، هي ركن أساسي فيه، وهي الباني الأساسي فيه.. في الوقت ذاته الذي تعيش فيه حياتها الواقعية تمامًا.. تتزوج، وتحمل وتلد، وتقوم بأعباء البيت وأعباء الزوجية، ولكنها في كل ذلك إنسانة ذات آفاق إسلامية، ونظرة إسلامية للأمور، واهتمامات إسلامية بالدعوة وبأحوال المجتمع.

وكان أبدع ما في ذلك التحرر الإنساني أنّ تحررها لم يدفعها إلى التمرد على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت