والطمأنينة بذكره تغني عن الخمر. وكانت قناعة الناس بالربح الحلال والعيش الحلال تحول بينهم وبين الربا. وكانت المودة المتبادلة بين الناس تقلل من حجم الجريمة، فكان الناس في ريف الإسلام الواسع لا يعرفون الأبواب المغلقة على بيوتهم لاستتباب الأمن فيه.
وكانت المدينة بالطبع غير الريف.. فيها أماكن لارتكاب الفاحشة، وأماكن لشرب الخمر، وأماكن للمجون واللهو، وعلى أطرافها يقبع قطاع الطريق و"الشطار" (1) .. ومع ذلك كله فقد كانت بالنسبة لغيرها من المدن في خارج العالم الإسلامي أمنًا وسلامًا وطمأنينة وبركة، وكان التجار يتركون حوانيتهم مفتوحة ليذهبوا إلى الصلاة في المسجد فلا يسطو عليها شذاذ الآفاق!
وقدم علماء الأمة وفقهاؤها ثروة"إنسانية"ثرّة لا تزال تمثل زادًا نافعًا للبشرية إلى هذه اللحظة، سواء في علم الأصول، لوضع قواعد الاستدلال وقواعد الاستنباط من نصوص الشريعة، أو علم الفقه لوضع الأحكام التفصيلية لما يجدّ في حياة الناس من أمور، أو في التربية لتهذيب النفس الإنسانية على هدى التنزيل الرباني، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو غير ذلك من العلوم النافعة للناس في دينهم ودنياهم، وانتشر هذا العلم في ربوع العالم الإسلامي عن طريق المدارس وحلقات العلم في المساجد، في وقت كانت أوربا تعيش فيه في الظلمات..
وارتبط هذا كله في حس الناس وفي واقع الأمر بقضية التوحيد، وأصبح لهذه القضية واقع عملي في حياتهم، يمثل منهج حياة متكامل، يشمل الحياة كلها، لأن الشريعة الربانية شملت كل جوانب الحياة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية.. كما شملت الثابت الذي يريد الله له أن يثبت، والمتغير الذي أذن الله فيه بالاجتهاد الدائم لمواكبة ما يجد من أمور الحياة، وربطه بالأصول الثابتة في هذا الدين، التي أطلق عليها العلماء"مقاصد الشريعة".
(1) الشطار - في الأصل - هم قطاع الطرق والنشالون، لأنهم يشطرون جيوب الناس - أي يشقونها - ليسرقوا ما فيها. ثم تطور استخدام اللفظ حتى شمل معنى الاحتيال الذكي لنهب أموال الناس بغير استخدام العنف، ثم تطور مرة أخرى فأصبح يعني المهارة بصرف النظر عن الوسيلة والأهداف!