ولم يكن الجهاد في سبيل الله هو الميدان الوحيد الذي حداهم إلى خوضه الإيمان باليوم الآخر والرغبة في جنة الخلد. فكثير من أعمال البرّ كان الدافع إليها هو الدافع ذاته..
من ذلك"الأوقاف"التي وقفها المسلمون لأعمال الخير، زهدًا في متاع الحياة الدنيا، أو رغبة في بذل شيء من مالهم"للصالح العام"ابتغاء مرضاة الله.
ومن هذه الأوقاف أنشئت المدارس لتعليم الطلاب بالمجان من أول مكاتب تحفيظ القرآن الكريم إلى آخر درجات التخصص العلمي، بل لم يقتصر الأمر على تعليمهم بالمجان، وإنما شمل كفالتهم طيلة فترة الدراسة ليتفرغوا لطلب العلم غير مشغولين بطلب المعاش. فعرفت الأمة الإسلامية التعليم المجاني قبل أن تعرفه البشرية بعدة قرون.
ومنها أنشئت المستشفيات (البيمارستانات) لعلاج المرضى بالمجان فعرفت الأمة الإسلامية العلاج المجاني قبل أن تعرفه البشرية بعدة قرون.
ومنها أنشئت دور رعاية الأيتام والعجزة والمنقطعين.. ودور للعناية بالحيوانات المحتاجة إلى الرعاية.. قبل أن تعرف البشرية شيئًا من ذلك بعدة قرون.
وفوق ذلك كله كانت روح من التقوى ومخافة الله تظلل حياة الناس، وتمنحها من البركة والطمأنينة ما تفتقده الجاهليات التي لا تؤمن بعالم الغيب، ولا تؤمن إلا بما تدركه الحواس.
وارتبطت قضية التوحيد كذلك بتطبيق شريعة الله، فأصبح محك الإيمان هو التحاكم إلى شريعة الله، ومن آيات الكفر الحكم بغير ما أنزل الله، والمنافقون - الذين هم في الدرك الأسفل من النار - هم الذين يتظاهرون بالإسلام ثم يعرضون عن التحاكم إلى شريعة الله، يريدون التحاكم إلى الطاغوت.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا) . [سورة النساء، الآية 60] . (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ