مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) . [سورة البقرة، الآية 74] .
وبينما الأمة النصرانية انصرفت - منذ البدء - عن محاولة تطبيق المنهج الرباني في واقع الأرض، اعتقادًا خاطئًا - محرّفًا - من جهةٍ أنه يكفي البشر أن يُكفّر الله عنهم سيئاتهم بصلب ولده الوحيد - عيسى عليه السلام - فيعفيهم بذلك من العمل الذاتي لتحقيق المنهج الرباني في الحياة الدنيا، واعتقادًا خاطئًا كذلك أنه لا فائدة ترجى من محاولة تطبيق المنهج الرباني في واقع الأرض لأن الإنسان خاطئ بطبعه، ولا طريق للخلاص من الخطيئة إلا بكبت الجسد وإهماله، والزهد في متاع الحياة الدنيا جملة، وإهمال واقع الأرض (1) !
(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) . [سورة الحديد، الآية 27] .
ومنذ البدء اقترن بالإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر، سواء في حالة النفي أو في حالة الإثبات.
فالمؤمنون يوصفون بأنهم، (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) . [سورة آل عمران، الآية 114] . والكافرون يوصفون بأنهم، (لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) . [سورة التوبة، الآية 29] . وصار الإيمان باليوم الآخر جزءًا لا يتجزًا من عقيدة التوحيد.
ولم يكن الإيمان باليوم الآخر مجرد معرفة ذهنية بأن هناك يومًا يبعث فيه الناس من أجداثهم لِيُحَاسبوا، ولا مجرد وجدان مستسر في الضمير. فهذا كله لا يكوّن إيمانًا باليوم الآخر. وقد روى التاريخ أن المصريين القدامى، كانوا يعرفون تفاصيل كثيرة عن اليوم الآخر - كما وردت عندهم في"كتاب الموتى"، الذي عثر عليه مكتوبًا على أوراق البردى (1) - ومع ذلك فإن نبي الله يوسف يقول عنهم - بما علمه الله - (إِنِّي
(1) ترجح هذه التفاصيل أن المصريين القدامى قد بعث إليهم رسول من عند الله، فبقيت من تعاليمه هذه المعلومات، ثم حرفت كما حرفت كل جاهلية تعاليم رسولها من بعده.