وفي أحد الأيام طلب مني اللواء ألا أغادر الفندق .. وفي المساء جاءني أحد المساعدين المقربين من ولي العهد كما قيل لي ..
أخذت أحدثه ثلاث ساعات ..
كنت قد أنهيت كتابي"بل هي حرب على الإسلام"لتوي وكانت المعلومات حديثة والمراجع قريبة والوثائق ما تزال في الذاكرة حية ..
ولم يحدث ما أخشاه ..
ذلك أنني يا قراء - أحيانا - أعزم على الحديث إلى أحد في موضوع ما .. فإذا بي أفاجأ بعزوف في نفسي وصدود في قلبي ينعكس على بياني فإذا بي عزوف عن مجرد الكلام .. وفي أحيان أخرى أكون متدفقا بطريقة تدهشني أنا نفسي ..
في ذلك اليوم كانت حالتي: من النوع الثاني ..
قلت للرجل أنني سأحدثه بصراحة مهما كانت الصراحة جارحة .. فالأمر يتعلق بالدين .. وبالأمة .. من ناحيتي .. ومن ناحية ولي العهد فإنه يمكن أن يتعلق بحياته ..
حدثته عما كتبته في مقالات بعد ذلك - وقبلهـ عن مخطط شارون - بوش لتقسيم العالم الإسلامي و على رأسه السعودية ..
حدثته عن المصيبة الفادحة والخطأ الهائل الذي ارتكبه ولي العهد باستدعاء القوات الأمريكية .. وكان شريكه في ذلك الرئيس مبارك .. ودعنا الآن من أنه موقف كان وما زال وسيظل يستوجب المحاكمة .. وأن هذا الواجب لا يسقطه -شرعا إلا عدم الاستطاعة ومخافة الفتنة- لكن .. في الوقت نفسه .. فإن أمتنا .. التي تصل بها الطيبة لحد الغفلة .. يمكن أن تتسامح و أن تنسي مع أول بادرة لاحتمال عودة الحاكم إلى الصراط المستقيم.
قلت له أن منطلقي في الحديث هو الدين والعقيدة .. هو لا إله إلا الله محمد رسول الله .. و أنني أحب و أتمنى أن يكون ذلك هو منطلق ولي العهد .. فإذا كان ذاك .. فبها ونعمت .. وإن لم يكن فليعتبر حديثي نصيحة براجماتية له للمحافظة على عرشه ..
ولم يكن هذا ازدواجا في التفكير ولا نفاقا ..
بل تطابق المشروعان .. !!
المشروع العقدي ..
والمشروع البراجماتي ..
ورحت أشرح للرجل فكرتي ..
إنني أعارض سياسات ولي العهد كلها وبعنف شديد ..
إن ادعاءات الأمريكيين عن الديمقراطية والحرية وتحرير المرأة والشفافية وحقوق الإنسان كل ذلك ليس إلا أدوات عمليات النصب والاحتيال التي تقوم بها .. وكأي نصاب محتال فهي لا تكشف عن سريرتها أبدا .. إنها تضغط وتستدرج حتى تصل إلى ما تريد ..
نعم ..
الديمقراطية ليست طريق السلامة الذي ينجينا من المهالك .. بل هي طريق الهلاك نفسه .. نعم هي طريق الهلاك القديم نفسه بعد أن غيروا اسمه من الحضارة والقومية والليبرالية والتنوير .. فكلما اكتشفنا الخداع والضلال في اسم بدلوه بآخر ..
وانظروا كيف أصبح المسخ الليبي ديمقراطيا ومرضيا عنه بمجرد أن سلم سلاحه وارتمي تحت أقدام إسرائيل.
رحت أؤكد للرجل أنه حتى و إن صدقت النوايا فإن المنظومة الغربية طريق الهلاك - ومنها الديمقراطية - فما بالنا إذا لم تكن النوايا صادقة ..
في هذا الوضع فإن ما نظنه الملاذ الآمن هو بنفسه الفخ الذي سيقضي على البقية الباقية فينا ..