لذلك وضع الله في الفطرة ضوابط تضبط هذه الشهوات، وتحدد منطلقها وتنظف مجراها، وتردها من"شهوة"طاغية لا يملك الإنسان نفسه إزاءها، إلى"رغبة"منضبطة ممكنة القياد، ورسم حدودًا لتحقيق هذه الدوافع، يتحقق بها قسط معقول من المتاع، وتحول في الوقت ذاته دون العطب والهلاك، للفرد والجماعة سواء:
"تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا" [1] .
"تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا" [2] .
ثم علم الله أن هذه الضوابط الفطرية في داخل النفس في حاجة إلى معين يعينها على القيام بمهمتها، وينميها، ويشد من أزرها إزاء طغيان الشهوات، فوضع لذلك العبادات التي تذكّر بالله، وتدعو إلى تقواه:
"إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ" [3] .
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [4] .
لكنه يعلم كذلك -سبحانه- أن تلك الدوافع أو الشهوات لها ثقلة تجذبها إلى الأرض .. وأنه لا بد من ثقل من الناحية الأخرى يعادل هذه الجاذبية العنيفة التي تنقل الإنسان إلى الأرض .. وذلك هو الإيمان باليوم الآخر ..
إنه لا شيء يمكن أن يقنع الإنسان بالتنازل عن المتاع الزائد عن الحد، المدفوع إليه بفطرته، والالتزام بالحدود التي رسمها الله لهذه الدوافع وأمر الناس ألا يعتدوها لكي لا يعطبوا ولا يهلكوا .. لا شيء يمكن أن يقنع الإنسان بذلك إلا الإيمان الجازم بأن ما يتركه هنا في الدنيا -من أجل طاعة الله- يلقاه في الآخرة مضاعفًا لا في الدرجة فحسب .. بل في النوع كذلك، حيث النعيم الخالد الذي لا يزول، والجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأن ما يعصى الله فيه في الدنيا -اندفاعًا وراء شهواته- يعذب عليه عذابًا لا تطيقه النفوس والأبدان. وتصبح الموازنة حينئذ بين متاع هنا في الدنيا زائف زائل، ليس أقل عيوبه ما يشوبه من القلق الدائم على انتهائه وزواله، ومتاع هناك خالد لا يزول، ومن نوع أجمل وأعمق وأمتع وأصفى .. وموازنة كذلك بين ألم من عدم تحقيق القدر الزائد من المتاع، وهو محتمل في جميع أحواله، وألم في الآخرة يفوق طاقة الاحتمال ..
وحين توضع الموازنة في هذه الصورة يكون من الحماقة الشديد ولا شك إضاعة النعيم الخالد بالنعيم الزائل، والدخول في العذاب الأليم الذي لا يطاق اتقاء لألم مؤقت لا يلبث أن يزول!
لذلك كان التركيز الشديد على عقيدة اليوم الآخر .. لأنها هي الثقل الذي يعادل جاذبية الشهوات ..
ثم إن العجينة البشرية عجينة عصية لا تستقر بسهولة في داخل القالب الذي تتحقق به سلامتها في الدنيا والآخرة. وإنما هي دائمة التلوّي والتحرك مندفعة خارج حدود القالب، تريد أن تنفلت مع الشهوات .. ومن ثم فهي لا تنضبط مرة واحدة وينتهي الأمر ويستقر بها المقام! إنما هي في حاجة إلى عملية ضبط دائمة لا تكل ولا تفتر، لأنها هي لا تفتر عن الاندفاع والاندلاع [إلا أن تستقيم بعد طول المجاهدة وتطمئن إلى طريق الله] .. لذلك لا يكفي أن يذكّر الإنسان بالآخرة مرة ثم ينتهي الأمر! إنما يحتاج الأمر إلى التذكير الدائم باليوم الآخر وحسابه، وثوابه وعقابه .. وذلك ما يفعله القرآن!
هذا كله في الحياة العادية الآمنة المطمئنة التي يتاح لك فيها أن تستمتع بالقسط المباح من هذه الرغبات .. أو سمها الشهوات!
(1) سورة البقرة: 229.
(2) سورة البقرة: 187.
(3) سورة العنكبوت: 45.
(4) سورة البقرة: 183.