الصفحة 31 من 379

حتى إذا وصلت القصة نهاية المرحلة التي تصور فترة الرقود، وبدأت مرحلة جديدة هي بعثهم من رقادهم، عاد استخدام الفعل الماضي:"وكذلك بعثناهم .."ولكنه هنا كذلك لا يُستخدم للرواية عن الماضي بقدر ما يستخدم لتقديم حلقة جديدة، أي لتغيير"الجو"وتهيئة المشاعر لمشاهدة هذه الحلقة الجديدة المغايرة للسابقة بكل أحداثها، والتي تعرض هي بدورها كأنها حاضر مشهود وذلك باستخدام أسلوب أقرب إلى الحوار المسرحي منه إلى الرواية القصصية، فنعيش مع الحوار كأنه واقع نراه أمامنا اللحظة ونتابعه في ذات اللحظة التي يدور فيها بين أصحاب الحوار! وبهذا كله تظل القصة حية في خواطرنا، لأننا"شهدناها"تعرض أمامنا ولم نسمع عنها مجرد سماع!

على أن القصة بكل حيويتها تلك لا تأتي في السورة هنا من أجل المتاع الفني، وإن كان المتاع الفني يتحقق بكامله، وإنما هي -ككل شيء في القرآن- تأتي مرتبطة بقضية الألوهية، نابعة منها، ومؤدية إليها. وهذه الحيوية الملحوظة، المبثوثة في كل كيان القصة، إنما هي وسيلة مقصودة لإحياء هذا الارتباط بقضية الألوهية في قلب الإنسان.

فالمقدمة المباشرة التي جاءت القصة لبسطها وتجليتها هي هذه:

"فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" [1] .

وهي -كما ترى- تتضمن حقيقتين: الأولى أن القوم مكذبون، لا يؤمنون بالقرآن وما يرد فيه من ذكر البعث. وذلك بالرجوع إلى ما تضمنته الآيات الأولى من السورة:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا، قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ..." [2] .

والحقيقة الثانية أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مهتم لهذا الأمر أشد الاهتمام، قد اشتد به الأسف لتكذيب القوم.

ثم تستمر المقدمة لتصرف عن قلب الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الأسف العميق بتقرير شيء من الحقائق الكونية أو السنن الربانية التي يتضح من خلالها موقف القوم، وتقويمه في ميزان الله، ثم مصيرهم هم في نهاية المطاف:

"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا" [3] .

فكل"ما على الأرض"قد جعل"زينة لها"لابتلاء البشر: أيهم تفتنه هذه الزينة فتصده عن طريق الله وتبعده عنه، وأيهم يلتزم من هذه الزينة بالطيب الحلال الذي أحله الله، ثم يشكر النعمة بالاستقامة على أمر الله فيما أمر به ونهى عنه. ثم إن ما على الأرض كله يأتي عليه حين من الدهر ينقلب فيه -بأمر الله-"قاعًا صفصفًا"أو"صعيدًا جرزًا"خاليًا من الزينة التي كانت تفتن الناس، ويعقب ذلك البعث الذي يكذب به المكذبون، حيث يجزي الناس بأعمالهم في الحياة الدنيا:"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" [4] .

ثم يستمر السياق ليقول إنه إن كان هناك مكذبون بالبعث فليستمعوا إذن لهذه القصة، التي تؤكد قدرة الله على البعث والإحياء، وهي ليست"عجبًا"من أمر الله، إنما هي مجرد مظهر من مظاهر قدرته سبحانه.

وهكذا تجيء القصة في معرض إثبات القدرة الإلهية .. مرتبطة بقضية الألوهية .. تلك القضية الكبرى في القرآن!

(1) سورة الكهف: 6.

(2) سورة الكهف: 1 - 4.

(3) سورة الكهف: 7 - 8.

(4) سورة الزلزلة: 7 - 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت