الصفحة 187 من 379

ويدخل في هذا الهدف كذلك -وإن كانت له سِمَته الخاصة- موقف السحرة حين آمنوا، فهددهم فرعون بالتقتيل والتعذيب والصلب في جذوع النخل، فاستعلوا بالإيمان، وارتفعت أرواحهم فوق كل ما يملك فرعون من جبروت، واستسلموا للمصير البشع الذي هددهم به فرعون دون أن يفرطوا في عقيدتهم، بل دون أن يداوروا بها ويداروها في داخل أنفسهم .. وإنما أعلنوها عالية، وتحدوا بها كل سلطان الأرض الجائر، رضاء بنعمة الإسلام، وبما عند الله من جزاء .. وكان تكرار هذا المشهد للمسلمين في محنتهم مما يشجعهم على احتمال الأذى، ويرتفع بأرواحهم فوق الكيد الذي تكيده قريش .. فيستعلون بالإيمان، ويستعلنون بالعقيدة، مطمئنين إلى رضاء الله وجزاء الله ..

والثاني: هو أن بني إسرائيل هم الأمة التي قامت حياتها -قبل المسلمين- على كتاب منزل من عند الله .. ثم لم يستقيموا على الكتاب المنزل! بل ظلوا ينحرفون عنه حتى كادوا يخرجون تمامًا من ظله!"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" [1] .

لذلك كثر ورود قصة بني إسرائيل في العهد المكي ثم المدني كذلك، تحذيرًا للمؤمنين -الذين تقوم حياتهم على كتاب منزل من عند الله- أن ينحرفوا كما انحرف بنو إسرائيل، ويتهاونوا في كتابهم لقاء عرض الحياة الدنيا كما تهاونت بنو إسرائيل!

لهذا وذاك -بالإضافة إلى اهداف العامة للقصص القرآني -كان ورود قصة بني إسرائيل مكررًا في القرآن .. ومع ذلك فلا توجد صورة مكررة بمعنى التماثل مع أية صورة أخرى في أثناء هذا القصص المتكرر كله!

وربما كان أقرب"مقطعين"إلى التماثل هما المقطعان المتشابهان في سورة الأعراف وسورة الشعراء، والمقطعان المتشابهان في سورة النمل وسورة القصص. وفضلًا على كون المقطعين المتشابهين في كل حالة يردان في تسلسل قصصي مختلف تمامًا، فإنهما هما في ذاتهما متشابهان فقط وليسا متماثلين! لأن التماثل التام لا يحدث قط في القصص القرآني!

يبدأ التشابه في السرد ما بين سورة الأعراف وسورة الشعراء على هذا النحو:

(1) سورة الأعراف: 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت