الصفحة 101 من 379

إنها مجموعات مختلفة من الصفات تتألف من مجموعها الصورة الصحيحة للإيمان. وهي صورة تجمع بين العقيدة المستقرة في القلب، والسلوك الأخلاقي المصاحب لها في الواقع المشهود. ولكنها -كما ترى- تبرز السلوك الأخلاقي إبرازًا واضحًا، وتعطينا ذلك الإيحاء القوي بأن الإيمان -الذي كثيرًا ما نجنح إلى اعتباره عقيدة فحسب -هو في الحقيقة سلوك واقعي، وإلا .. فلا قيمة لهذا الإيمان!.

شيء هام في الأخلاقيات الإسلامية يلفت النظر لأول وهلة، حين نقابل بينها وبين السلوك التهذيبي الذي تحرص عليه الجاهلية المعاصرة، ويخدع الناس كثيرًا فيظنونه هو"الأخلاق"!

إن الجاهلية المعاصرة تحرص على كثير من الصفات السلوكية القريبة جدًا -في صورتها الظاهرة- من الأخلاقيات الإسلامية، حتى لينبهر بها كثير من الناس، خاصة وهم يرون الخواء الحالي الذي يعيش فيه الذين يسمون أنفسهم مسلمين، دون أن يعنّوا أنفسهم بالتزام شيء من الأخلاقيات الإسلامية على الإطلاق! فيكذبون ويغشون ويسرقون وينهبون ويظلمون ويطففون ويخلفون الوعد ويأكلون حقوق الناس .. ثم تصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى!! بينما يرى الناس في تلك الجاهلية الغربية قومًا يحرصون على نطافة التعامل: لا يكذبون ولا يغشون ولا يخلفون الوعد .. وإذا عملوا عملًا أتقنوه وأتموه .. فيقولون في أنفسهم، هذه والله أخلاقيات الإسلام، تخلينا نحن عنها وتمسك بها القوم!

فأما أننا تخلينا عنها .. فنعم ولا شك! وأما أن هؤلاء يتمسكون بها .. فهنا موضع البيان!

إن الأخلاق في المفهوم القرآني شيء شامل يشمل كل تصرفات الإنسان وكل مشاعره وكل تفكيره .. حتى الهاجس الذي يهجس داخل الضمير. فهي ليست محددة بمساحة معينة ولا بعمل معين .. ولا يوجد -في الإسلام- عمل واحد يمكن أن يخرج عن دائرة الأخلاق. فالصلاة -كما رأينا في الآيات- لها أخلاق هي الخشوع. والكلام له أخلاق هي الإعراض عن اللغو. والجنس له أخلاق هي الالتزام بحدود الله وحرماته. والتعامل مع الآخرين له أخلاق هي الوفاء بالأمانة ورعاية العهد. والإنفاق له أخلاق هي التوسط بين التقتير والإسراف. والحياة الجماعية لها أخلاق هي أن يكون الأمر شورى بين الناس. والغضب له أخلاق هي العفو والصفح. ووقوع العدوان من الأعداء يستتبعه أخلاق هي"الانتصار"أي رد العدوان .. وهكذا .. وهكذا لا يوجد شيء واحد في حياة المسلم ليست له أخلاق تكيّفه، ولا شيء واحد ليست له دلالة أخلاقية مصاحبة ..

هذا أمر .. والأمر الآخر -وهو الأهم- أن الأخلاق في المفهوم القرآني هي لله وليست للبشر، ولا لأحد غير الله!

الصدق .. لله .. والوفاء بالعهد .. لله واتقاء المحرمات في علاقات الجنس .. لله .. والزكاة .. لله. والعفو والصفح .. لله. والانتصار من الظلم .. لله. وإتقان العمل .. لله كلها كلها عبادة لله .. تقدم له وحده .. خشية وتقوى .. وتطلعًا إلى رضاه:

"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصأُ لوجهه" [1] .

إنها ليست صفقة بشرية للكسب والخسارة .. إنما هي صفقة تعقد مع الله:

(1) أخرجه النسائي -كتاب الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت