فهل نقول إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أبطل الشريعة أو عدل فيها لأنه لم ينفق سهم الفقراء من أموال الزكاة ؟ أم نقول إنه وجدت حالة لم ينطبق فيها النص فلم يطبق ؟
وكذلك تصرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سواء في عدم تطبيق حد السرقة عام الرمادة ، أو وقف إنفاق السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم من أموال الزكاة .
فأين من هذا دعوة الداعين إلى إعطاء"أولياء الأمور"حق إبطال الشريعة بكاملها والاستعاضة عنها بالشرائع الجاهلية . . بحجة عدم مناسبة الأحوال ؟!
إن"ولي الأمر"في الإسلام يكون شرط توليته ، الذي يعطيه شرعية تولي الأمر ، والذي بدونه لا تكون له شرعية ، هذه الشرط هو تطبيق شريعة الله ، فكيف يكون من حقه إبطال شرط توليته ومصدر شرعيته ؟!
وولي الأمر له على رعيته حق السمع والطاعة ، ولكن في حدود طاعته هو لله ورسوله ، فإن عصى الله ورسوله - بتعطيل شئ من شرع الله - فلا طاعة له على الناس .
يقول تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (1) .
وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة ، كذلك الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر . . ولو قال تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم لوجبت طاعتهم مطلقا كطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم . ولكن الله جل شأنه لم يقل ذلك ، وإنما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر"أطيعوا"، لتظل طاعتهم مقرونة دائما بحدود ما أنزل الله . ويؤكد ذلك عَجُزُ الآية الذي يبين المرجع في حالة التنازع وهو الله والرسول فحسب .
(1) سورة النساء [ 59 ] .