فقد قال الله تعالى"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه. ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا والسلام""
فانظر إلى إنصاف مالك إذ اعترف أن ترك ذلك خير من الدخول فيه وأفتى أنه مباح وقد صدق فيهما جميعًا.
ومثل مالك في منصبه إذا سمحت نفسه بالإنصاف والاعتراف في مثل هذه النصيحة فتقوى أيضًا نفسه على الوقوف على حدود المباح حتى لا يحمله ذلك على المراءاة والمداهنة والتجاوز إلى المكروهات.
وأما غيره فلا يقدر عليه فالتعريج على التنعم بالمباح خطر عظيم وهو بعيد من الخوف والخشية وخاصية علماء الله تعالى الخشية وخاصية الخشية التباعد من مظان الخطر". [1] "
حكي عن أبي عبد الله الخواص - وكان من أصحاب حاتم الأصم - قال: دخلت مع حاتم إلى الري ومعنا ثلاثمائة وعشرون رجلًا يريد الحج وعليهم الزرمانقات وليس معهم جراب ولا طعام فدخلنا على رجل من التجار متقشف يحب المساكين فأضافنا تلك الليلة.
فلما كان من الغد قال لحاتم: ألك حاجة فإني أريد أن أعود فقيهًا لنا هو عليل؟
قال حاتم عيادة المريض فيها فضل والنظر إلى الفقيه عبادة وأنا أيضًا أجيء معك.
وكان العليل محمد بن مقاتل - قاضي الري - فلما جئنا إلى الباب فإذا قصر مشرف حسن فبقي حاتم متفكرًا يقول: باب علام على هذه الحالة؟
ثم أذن لهم فدخلوا فإذا دار حسناء واسعة نزهة وإذا بزة وستور فبقي حاتم متفكرًا.
ثم دخلوا إلى المجلس الذي هو فيه وإذا بفرش وطيئة وهو راقد عليها وعند رأسه غلام وبيده مذبة.
(1) إحياء علوم الدين 1/ 97 - 100