وقد رد السلطان عبد الحميد -كما جاء في مذكرات هرتزل نفسهـ: (انصحوا الدكتور هرتزل بأن لا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، إنني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت إمبراطوريتي يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون، إنني لا أستطيع أن أوافق على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة) .
إن الحفاظ على الدين والأرض والدم والعررض قضية باهظة التكاليف، عالية الضرائب لا يصمد لإغراءاتها وتهديداتها إلا النفوس المتكلة على الله، المستعصمة بحبله الملتجأة إلى حماه، المستعلية بإيمانها على حطام الدنيا ومتاعها، المشمخرة بيقينها أمام الجبروت والطاغوت.
وللأسف العميق أن عبد الحميد ذهب مظلوما، وبقيت الألسنة تنهش لحمه ومضى غير مأسوف عليه من قبل المسلمين، مع وصفه بالدكتاتورية والغطرسة والصلف، وبقي مغموط الشأن مغمور الشرف حتى نشرت مذكرات هرتزل بعد سنة (0291م) ، فعرف الناس مكانته ذات الشأو الرفيع وندموا ولات ساعة مندم.
ولكننا نقول: إن جهل المسلمون حقه عليهم، وإن لم يعرفوا تضحياته فإن رب العزة لا يضل ولا ينسى، ونرجو الله أن يجد هذه المواقف الشامخة في صفحاته يوم تضع كل مثقلة حملها في الميزان.
وصمم اليهود بعد هذه المقابلة أن يطيحوا بالسلطان، وأرسل إليه قرصو برقية يقول فيها (ستدفع ثمن هذه المقابلة من عرشك ونفسك) .
فحاولوا نسف المنصة التي يجلس عليها السلطان في صلاة الجمعة بسيارة متفجرات فأنجاه الله، ثم بدأوا يتصلون بالضباط وكبار الموظفين من خلال المحافل الماسونية، ونشروا المحافل الماسونية -خاصة في سالونيك- وطالبوا بإعلان الدستور (مساواة اليهود والنصارى مع المسلمين) وتحركت بعض قطاعات الجيش وأجبروا السلطان في (32) تموز سنة (8091م) على إعلان الدستور، وبعد هذا انتخب مجلس المبعوثات (النواب) ودخل فيه اليهود والنصارى ممن تربوا في المحافل الماسونية، وخلال تسعة أشهر في (72) إبريل (9091م) أقصي السلطان عبد الحميد عن الحكم على يد جمعية (تركيا الفتاة: جون تركيا) .
وفي الليلة التي أقصي فيها عبد الحميد نستطيع أن نسجل حدثين عظيمين:
1 -غياب الإسلام الفعلي عن الوجود والشهود.
2 -سقوط فلسطين بيد اليهود.
وجاءت جمعية الإتحاد والترقي مع تركيا الفتاة (الماسونية) إلى الحكم وبدأ التمهيد لهجرة اليهود إلى فلسطين.
لقد كانت تنحية السلطان أعظم ضربة وجهت إلى الإسلام في بداية هذا القرن، وارتفع عدد اليهود نتيجة لذلك من (33) ألفا سنة (0881م) إلى (58) ألفا سنة (3191م) ، ثم نقص عدد اليهود في الحرب العالمية الأولى بسبب المجاعة، فنقص عدد اليهود من (58) إلفا إلى (55) ألفا.
سقوط تركيا والقدس معا: