أما أمراء الإقطاع فقد امتنعوا تماما عن تمويل الثورة الصناعية ! فهم بادئ ذي بدء فلاحون ( وإن كانوا أمراء بالاسم ! ) والفلاح لا يغامر بتشغيل ماله في غير الدورة الزراعية التي يحفظها عن ظهر قلب ، ويحفظ تقلباتها واحتمالاتها . فهو يلقي البذرة في الأرض ، ويتعهدها حتى تخرج محاصيلها ، فيستهلك منها ما يستهلك لنفسه ، ويحتجز ما تحتاج إليه الأرض من"التقاوى"للزرعة القادمة ، ويبيع الفائض في السوق ..
ثم إن الثورة الصناعية في أول عهدها لم تكن رابحة في كثير من الحالات ! فلم تكن هناك كثافة سكانية كبيرة في المدن ، ولم تكن هناك طرق طرق معبدة لتصريف الإنتاج على نطاق واسع ، ولم تكن هناك وسائل إعلان .. وكلها من الضرورات التي لا تستغني عنها الصناعة الرابحة .
وفضلا عن ذلك فقد كانت هناك معوّقات نفسية تقف في وجه الثورة الصناعية ، فقد كان الناس - في سذاجتهم - لا يرحبون بالإنتاج الآلي ، لأن به - كما يعتقدون - مس شيطان وأنه سيمحو البركة من حياتهم ، وكانوا لذلك يفضلون عليه الإنتاج اليدوي (1) !
وأما المرابون اليهود فقد أقبلوا على تمويل الثورة الصناعية بشغف شديد ، ولعاب سائل ! ذلك أنهم لا يشغّلون أموالهم مباشرة ، ولا يتعرضون للربح والخسارة ، وإنما يقرضونها بالربا ، والمقترض يكسب أو يخسر حسب ظروفه وظروف السوق ، أما هم فقد ضمنوا أموالهم - قبل إقراضها - وضمنوا إلى جانبها مكسبهم الربوي عن طريق الشروط التي يضعونها للإقراض !
(1) كان حدس الناس صادقا في هذا الأمر ، ومحقت البركة بالفعل من حياة الناس لا بسبب الصناعة في ذاتها كما ظنوا بسذاجتهم ، ولكن بسبب الطريقة الربوية التي أديرت بها الصناعة كما سيجيء بعد قليل !