فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 56

الدين في السياسية والاقتصاد والاجتماع والفكر والعلم والأدب والفن .. وكل مجالات الحياة، ثم إقامة هذا كله بعيدا عن نفوذ الكنيسة من جنة، وبعيدا عن مفاهيم الدين كلها من جهة أخرى، بصرف النظر عن وجود الكنيسة أو عدم وجودها.

بعبارة أخرى نقول إن ما نبذته أوروبا حين أقامت علمانيتها لم يكن هو حقيقية الدين - فهذه كانت منبوذة من أول لحظة! - إنما كان بقايا الدين المتناثرة في بعض مجالات الحياة الأوروبية أو في أفكار الناس ووجداناتهم فجاءت العلمانية فأقصت هذه البقايا إقصاء كاملا من الحياة، ولم تترك منها إلا حرية من أراد أن يعتقد بوجود إله يؤدى له شعائر التعبد في أن يصنع ذلك على مسئوليته الخاصة، وفى مقابلها حرية من أراد الإلحاد والدعوة إليه أن يصنع ذلك بسند الدولة وضماناتها!

كيف نشأت هذه العلمانية في أوروبا؟

أى كيف أقصيت بقايا الدين من الحياة الأوروبية وصارت الحياة"لا دينية"تماما في كل مجالاتها العملية؟

نحتاج أن نتذكر أولا أنه في الوقت الذى لم يكن للدين الحقيقى وجود في أوروبا - سواء في صورة عقيدة صحيحة أو صورة شريعة حاكمة - كان هناك نفوذ ضخم جدا يمارس باسم الدين في مجال العقيدة وفى مجالات الحياة العملية كلها من قبل رجال الدين، ويتمثل في حس الناس هناك على أنه هو"الدين"!

أى أن الصورة الواقعية للدين في أوروبا كانت تتمثل أولا في عقيدة مأخوذة من"الأناجيل"وشروحها تقول إن الله ثالث ثلاث وإن الله هو المسيح ابن مريم، وتتمثل ثانيا في صلوات وقداسات ومواعظ واحتفالات تقام في الكنائس يوم الأحد بصفة خاصة، وتتمثل أخيرا - وليس آخرا - في نفوذ لرجال الدين على الملوك وعلى عامة الناص، فأما نفوذهم على الملوك فيتضمن أنهم لا يجلسون على عروشهم إلا بإذن البابا ومباركته، ولا يتولون سلطانهم على شعوبهم إلا بتولية البابا لهم، وإذا غضب عليهم البابا - غضبا شخصيا لا علاقة له البتة بتحكيم شريعة الله - نبذتهم شعوبهم ولم تذعن لأوامرهم، وأما نفوذهم على عامة الناس فيتضمن أنهم لا يصبحون مسيحيين إلا بتعميد الكاهن لهم، وليس لهم صلاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت