ولقائل أن يقول: وماذا أضاف مكيافيللى من عنده إلى الواقع؟ ألم يكن الواقع خسيسا في غاياته ووسائله؟ فكل ما فعل مكيافيللى أنه كان صريحا بالدرجة التى كشف بها القناع عن الواقع المزيف وجعله حقيقة واقعة!
نعم: ولكن الفارق - العملى - كبير! س
وقد لا يتضح الفرق في البداية لأن البداية تكون مجرد مطابقة النظرية للواقع الموجود بالفعل. ولكن الفارق يتبين - ويزداد - مع التطبيق.
حين ترتكب المنكر وأنت شاعر بأنه منكر، فستقتصد في ارتكابه فلا تلجأ إليه إلا تحت ضغط قاهر، وستقف في ارتكابه عند الحد الذى ترى أنه لا يطيح بسمعتك كلها أمام الناس، وقد تحاول الرجوع عنه في يوم من الأيام. أما حين يكتسب المنكر في حسك الشرعية فلماذا تقتصد في ارتكابه، ولماذا تقف عند حد من الحدود؟!
إنها هى ذاتها حكمة وقوع اللعنة على الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه .. لأنهم لا يقفون في ارتكاب المنكر عند حد معلوم.
وحقيقة إن كتاب"الأمير"الذى ألفه مكيافيللى وأعطى فيه الشرعية للوسائل الخسيسة التى يستخدمها الحاكم من كذب وغش وخديعة وقتل وسفك دماء. ز قد قوبل باستنكار عنيف وقت ظهوره، لأن أوروبا - كما أسلفنا - كانت نافرة من الدين منسلخة منه، ولكنها ما تزال تعترف"بالقيم"، وتحاول الحفاظ عليها، ولكن بشرط العثور على منبع آخر لها غير الدين .. ومن ثم ظهرت عدة نظريات تحاول أن تجعل للحكم"أخلاقا"ولكنها غير مستمدة من الدين، كما فعل جان جاك روسو في حديثه عن نظرية العقد الاجتماعى وأوجست كومت في فلسفته الوضعية ..
ولكن المنزلق"العلمانى"كان لابد أن يأخذ طريقه .. فمنذ استقلت السياسة عن الدين واستقلت عن الأخلاق المستمدة من معين الدين، لم يكن من الممكن أن تظل لها أخلاق!
والقرن - الجاهلى - العشرون خير نموذج لما نقول، فقد قامت في هذا القرن أبشع دكتاتوريات التاريخ!