فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 56

نبذ الدين واقصاؤه عن الحياة العملية هو لب العلمانية

وتبدو نشاة العلمانية في أوروبا أمرا منطقيا مع سير الأحداث هناك، إذا رجعنا إلي الظروف التي شر حناها من قبل في التمهيد الأول من هذا الكتاب، أي إلي عبث الكنيسة بدين الله المنزل، وتحريفه وتشويهه، وتقديمه للناس في صورة منفرة، دون أن يكون عند الناس مرجع يرجعون إليه لتصحيح هذا العبث وإرجاعه إلي أصوله الصحيحة المنزلة، كما هو الحال مع القرآن، المحفوظ - بقدر الله ومشيئته - من كل عبث أو تحريف خلال القرون

فمن المعلوم أن الإنجيل المنزل من عند الله لم يدون علي عهد المسيح عليه السلام إنما تلقاه عنه حواريوه بالسماع، ثم تشتتوا تحت تأثير الاضطهاد الذي وقع علي اصحاب الرسالة الجديدة سواء من اليهود أو من الرومان، فلما بدأ تدوينه بعد فترة طويلة من نزوله كان قد اختلط في ذاكرة أصحابه ن كما اختلطت النصوص فيه بالشروح، ثم غلبت الشروح علي النصوص .. ووقع الاختلاف والتحريف والتصحيف الذي يشير إليه كتاب التاريخ الأوربي ومؤرخو الكنيسة علي السواء، واستبد رجال الدين بشرح ما سمي الاناجيل بالاحتفاظ بعلم"الأسرار"التي نشات من التحريف والتصحيف والتي لا أصل لها في دين الله المنزل، ثم زاد استبدادهم - كما أسلفنا في ذلك التمهيد - فصار طغيانا شاملا يشمل كل مجالات الفكر والحياة: طغيانا روحيا وفكريا وعلميا وسياسيا وماليا واجتماعيا .. وفي كل اتجاه

فحين يحدث نفور من الدين في مثل هذا الجو فهذا أمر منطقي مع سير الأحداث، وإن لم يكن منطقيا مع"الإنسان"في وضعه السوي، فإذا كان الانسان عابدا بفطرته، وكان الدين جزءا من الفطرة أو هو طبيعة الفطرة فإن الانسان الراشد في مثل الوضع الذي وجدت فيه أوربا كان ينبغي عيه أن ينبذ ذلك الدين الذي تحوطه كل تلك التحريفات في نصوصه وشرحه وكل تلك الانحرافات في سلوك رجاله، ثم يبحث عن الدين الصحيح فيعتنقه، وقد فعلت أوربا الأمر الأول فنبذت دين الكنسية بالفعل، ولكنها لم تفعل الأمر الثانى حتى هذه اللحظة إلا أفرادا متناثرين لم يصبحوا بعد"ظاهرة"ملموسة. ومن هنا نقول إن الظروف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت