و أقدمُ المدارس تلك التي ازدهرت في المدن القديمة بعد تأسيسها مثل"وادان"و"شنقيط"و"تيشيت"و"ولاته"التي وصف ابنُ بطُّوطة في رحلته بقوله عن أهلها:"محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن .." [1] .
وبعد تفكك كيانِ دَوْلَةِ المرابطين وأُفُول نَجْمِِ كثير من المدن القديمة، بدأت المدرسة تأخذ طابعا آخر بدويا متنقلا، تَشَكَّل فيما عُرِفَ بالمحظرة التي عَرَفَتْ ازدهارا كبيرا خلال القرن 13هـ، فظهرت محاظرُ عريقة، تُدرِّس كافَّة العُلوم الشَّرعية، شُدَّت إليها الرِّحالُ من كل مكان.
وفي هذا القرن دخل التَّصوُّف إلى البلاد فزاد من تنوع ثقافة المحظرة [2] . وربما وُجِدت بعض السَّاحات المعروفة لاجتماع العلماء والشعراء وأهل الرأي كساحة"دبرار"في تيشيت التي يقول أحمد ولد محمد بوقفة في شأنها:
حازت مزايا جمَّةً دبرار ... فيها السَّراةُ المُجَّدُ الأخيارُ
المستوى العلمي:
وقد ظهر خلال هذا القرن -13هـ- علماءُ موسوعِيُّون وشعراءُ عمالقة أسسوا لنهضة علمية لم تشهد البلاد مثلها، بل امتدت إلى أصقاع الأرض، يقول المختار ولد بون الجكني في قصيدته التي يقول في أوَّلها:
حَدَتْ حُدَاةُ بني يحيى بنِ عُثمانَا ... إِبْلِي بزير فزمرانٍ فوادانا
إلى أن يقول:
و نحن رَكبٌ من الأشراف مُنَتظمٌ ... أَجَلُّ ذا العصر قدرًا دُون أدنانا ...
قد اتَّخذنا ظُهور العيس مدرسةً ... بها نُبَيِّن دينَ الله تبيانا ...
على نجائبَ هوجٍ لا وَنَاءَ بِها ... تَطْوي المهامهَ بُلدانًا فَبُلدانا
(1) تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، ص442.
(2) راجع حياة موريتانيا 2/ 81.