أخلاق الداعية:
إن مهمة الداعية إلى الخير مهمة شريفة ونبيلة تفرض عليه التحلي بأحسن الأخلاق والعمل بأليق الأساليب، لتثمر دعوته وهي تسقى بمعين المحاسن الرقراق و يقبل الناس على قطوفها الدانية للظفر والفلاح، كما أن للدعوة إلى الخير متربصين بها و كائدين لأهلها، مما يقتضي هو الآخر التشبث بما لا يدع مجالا لسهامهم، ورُبَّما يسد كل الثغرات دون تحقيق مآربهم.
وليس العمل بذلك متقررا لأن الواقع يقتضيه أو لأن العقل يمليه فحسب، وإنما لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه و سلم، أسوة الدعاة المخلصين، وقائد الأعزة المجاهدين.
وهذه الأخلاق التي هي نبراس يهتدي به الحيارى في دياجير الظلام، وقع الإفراط في تبنيها من جهة حيث مال البعض إلى التنازل و الوهن والمجاملة باسم الرفق واللين و التيسير والحكمة وفهم الواقع، بينما وقع آخرون في التفريط حيث مالوا إلى القساوة و الفظاظة و الانغلاق باسم الصدع بالحق و البراءة من المعرضين و الابتعاد عن سبيل المداهنة، ولهذا موضعُه كما أن لذلك موضعَه.
1.الإخلاص:
أول ما يجب على الداعية الأخذ به، الإخلاص في دعوته للخير فلا يريد بها ذكرا ولا مغنما و لا جاها، لا يريد بها غير وجه الله كما قال سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ] الكهف:28 [.
و روى البخاري عن أبي موسى الأشعري قال:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليُرى مكانُه فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله" [1] .
فعلى الداعية أن يفرد الله في القصد لأنه سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه [2] ، و من أشرك في القصد معه غيره -سبحانه - تركه وشركه [3] .
(1) البخاري 2810.
(2) راجع سنن النسائي 3140 وحسنه الألباني في صحيح الجامع 1856.
(3) انظر صحيح مسلم 2985 وسنن ابن ماجه 4202.