الصفحة 70 من 200

"ولماذا أخاف هذا المجتمع يا صاح؟ ألأني قد أثمتُ؟ ولكن ما هو ثمي أما كانت غيري من بنات المجتمع صانعة مثل ما صنعته؟ .. في تلك الليلة البيضاء الناعمة وفي تلك الخلوة، آه ما كان أجمله! وكيف وضع فاه على فمي، وضمني إلى صدره العريض! أواه على تلك المتعة الذاهبة! كيف لصقت بصدره الدافئ المتعطر بكل دعة وطمأنينة. ثم آثرت كل هذه الدنيا وما أملك فيها من تلك اللحظات من اللذة والنشوة والسرور. فماذا كان بعده؟ وماذا يصنعه غيري عندئذ؟ أكانت امرأة من هذه الدنيا تملك أن تأبى عليه في مثل تلك الساعة؟".

"أفإثم هو؟ كلا لم أرتكب إثمًا. وما بي من خجل عليه. وها أنا ذي مستعدة لإعادة ما فعلت. وما العفة؟ وماذا يريدون بها؟ أهي العذارة لا غير؟ أم هي طهارة الأفكار؟ لم أعد عذراء ولكن هل يعني ذلك أني قد فقدت عفتي؟؟!".

"ألا فليصنع هذا المجتمع الفاسد البغيض ما هو صانعه، ولا أبالي وأي ضير قد ينالني منه؟ لا شيء والله! فلماذا أستخذي إذًا من اعتراضه السفيه الأخرق، ولمَ أشفق من نجواه وهمساته؟ واصفرّ وجهي من الذعر؟ ولماذا أهرب من تهكمه الفارغ؟ .. وهذا قلبي يشهد بأني لم آت نكرًا، بل حسنًا فعلت ونعما صنعت. ومالي إذًا أتأثم منه، ولماذا لا أعلن بملء فيّ أني قد فعلته ويا حبّذا ما فعلت!"

هذا هو الأسلوب الفكري والمنطقي الذي يريد الأديب المتجدّد في عصرنا هذا أن يلقّنه كل فتاة من فتياتنا -ولعله يريد ذلك لابنته وأخته أيضًا- فهو يدعوهن إلى أنه أيما صدر دافئ متعطر وجدته إحداهن في ليل مقمر، فلتلصق به ولتنضمّ إليه، لأنه هو الطريق الواحد الممكن في تلك الظروف. وليس لامرأة أن تفعل غير ذلك في مثل تلك الحال وليس هذا من الإثم في شيء، بل هو بذل وتضحية. وأيضًا لا يضير هذا بالعفّة، فإن العفة هيهات أن تنال منها التضحية بالبكارة، ما دامت تصحبها الأفكار الصالحة المنزّهة، بل هو مما يقويها ويحكمها، بل هو مأثرة جليلة يجب أن تُكتب في صحيفة حياة المرأة بماء الذهب. ولتجتهد كل امرأة أن تكون صحيفة حياتها ملأى بمثل هذه المآثر الذهبية. وأما المجتمع، فإن كان يعيب مثل هؤلاء الآنسات العفائف، فلا شك في فساده وسماجته. والذنب في الحقيقة ذنبه، إذ هو يعترض على تلك الفتيات ذوات البذل والإيثار، لا ذنب البنت الكريمة التي لا تأبى الانضمام إلى صدر مفتوح في ليلة من ليالي الغرام. وإن المجتمع الظالم الذي يستقبح هذا الفعال، لا يجدر بأن يخشاه المرء، وأن يتوارى منه بعد قيامه بتلك الماثرة. لا وربك، بل ينبغي لكل فتاة أن تعالن بتلك الفضيلة الخلقية وتجاهر بها بكل جرأة وقوة جأش. وبدل أن تخجل بنفسها، يجب أن تخجل المجتمع وتنحي عليه باللائمة، إن استطاعت! فانظر إلى هذه الوقاحة والجرأة التي لم تكن تُقدم عليها حتى القواعد في حيّ البغايا، في زمن من الأزمان. لأن أولئك البائسات، لم تكن بأيديهن مثل هذه الفلسفة الخلقية التي تجعل الإثم صوابا والصواب مأثمة. ولئن كانت المومسة في ذلك العهد الماضي تبيع عفتها وكرامتها، فقد كانت ولا شك تعدّ نفسها مهينة ومرتطمة في حمأة الآثام. ولكن هذا الأدب الجديد قد جاء يثب ببنت كل أسرة كريمة إلى ما قصرَت عن شأوه مومسات الغابر، لأنه قد ابتدع -ولا يزال- لتأييد فجورها ودعارتها فلسفة خلقية جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت