الصفحة 62 من 200

ومن البديهي أنه لا يمكن في مثل هذه الحال أن يسلم النظام العائلي والرابطة الزوجية من الفوضى والاضطراب. ذلك بأن النساء اللاتي يكسبن قوتهن بأيديهن، ولا يحتجن إلى الرجال في شأن من شؤونهن، عدا قضاء الشهوة، ويجدن الرجال لهذا الغرض قريبًا منهن، بدون أن يتقيدن بالزواج، لا جرم أن يعددن الزواج شيئًا فضوليًا لا حاجة إليه ولا طائل تحته. زد على ذلك أن الفلسفة الجديدة والأفكار المادية قد نفت من ضمائرهن الشعور بأن مخادنة الرجال بدون الزواج عار أو إثم. وأن البيئة الفاسدة قد جعلت المجتمع أيضًا بليد الحس فاقد الشعور، حتى لم يعد ينظر إلى أمثال أولئك الفاجرات بعين المقت أو الملام. فيكتب القاضي لندسي الأميركي يعبر عن أفكار سواد البنات والفتيات:

"مالي أتزوج؟ وهؤلاء أترابي قد تزوجن في السنتين الماضيتين، فماذا جنَين منه؟ إلا أن كان نصيب نصفهن منه الطلاق! وإني أعتقد أن لكل فتاة في هذا العصر حقًا طبيعيًا في حرية العمل والتصرف فيما يتعلق بالحب. إذ نعرف في هذه الأيام كثيرًا من التدابير لمنع الحمل، فنستطيع أن نتقي بها خطر المولود النَغْل وما عسى أن يتبع ولادته من أزمات. ونحن على ثقة بأن استبدال هذه الطريقة الجديدة بالطرق القديمة التقليدية هو من مقتضيات العقل في هذا الزمان".

هؤلاء الوقحات اللاتي يفكرن هذا التفكير، ما كان ليحفزهن على الزواج إلا عاطفة الحب وحده. ولكن هذه العاطفة أيضًا كثيرًا ما لا تصدر من صميم النفس وسويداء القلب، بل يكون من أسبابها جاذبة عارضة في جمال المحبوب. فإذا قضي الوطر من شهوات النفس، لم يبق بين الزوجين عين للحب ولا أثر. ويكفي عندئذ أهون ما يكون بينهما من خلاف في العادات والطباع، أن ينزع بينهما نزغًا ويبدل حبهما بغضًا وفركًا، حتى ينتهي الأمر إلى تقديم المرافعة إلى المحاكم فيكتب القاضي لندسي:"في بلدة دَنور، في سنة 1922، أعقب كل زواج تفريق بين الزوجين. وبإزاء كل زوجين عُرضت على المحكمة قضية الطلاق. وهذه الحال لا تقتصر على بلدة دنور بل الحق أن جميع البلدان الأميركية على وجه التقريب تماثلها في ذلك قليلًا أو كثيرًا".

ويمضي في كتابته:"إن حوادث الطلاق والتفريق بين الزوجين لا تزال تكثر وتزداد. وإن اطردت الحال على هذا -كما هو المرجو- فلا بد أن تكون قضايا الطلاق المرفوعة إلى المحاكم في معظم نواحي القطر على قدر ما يُمنح فيها من الامتيازات للزواج" [1] .

ومنذ قليل من الزمان نشر في جريدة ( Free Press) بدترويت ( Detroit) مقال يبحث في هذه الأوضاع، قد جاء فيه:

"إن ما قد نشأ بيننا اليوم من قلة الزواج وكثرة الطلاق وتفاحش العلاقات غير المشروعة -الدائمة أو العارضة- بين الرجال والنساء، يدل كله على أننا راجعون القهقرى إلى البهيمية، فالرغبة الطبيعية في النسل إلى التلاشي، والجيل المولود ملقى حبله على غاربه، والشعور بكون تعمير الأسرة والبيت لازما لبقاء المدنية والحكم المستقل يكاد ينتفي من النفوس. وبخلاف ذلك أصبح الناس ينشأ فيهم الإغفال عن مآل المدنية والحكومة وعدم النصح لهما".

(1) الصفحة 311 - 314 من كتابه: Revolt of Modern Youth

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت