وإذا كان انحطاط الأخلاق، واتباع الأهواء، وتعبد الشهوات، قد بلغ من أمة ما هذا المبلغ الهائل، وكانت هذه حالة الرجال والنساء والشيوخ والشُبان في انغماسهم في اللذات، وكان الهيجان الجنسي قد خبلهم من المس حتى أخرجهم من طورهم، فمن الطبيعي أن تتوافى في تلك الأمة كل أسباب الهلاك والبوار. وهذه الأمم المتدرجة إلى الزوال، القائمة على شفا حفرة من النار، إذا شاهدها الناس في ظاهر السلطة والشوكة فيستنتجون أن انهماكها في الملاهي واللذات ليس بمانعها من الرقي بل هو عون لها عليه، وأن الأمم تكون في أعلى مجدها وأزهى رقيّها أمعن ما تكون في الأهواء والشهوات. ولكنهم ساء ما يحكمون وما يستنتجون إذ أن قوى التعمير وقوى التخريب إذا كانت متفاعلة في أمة في الوقت الواحد، وكان جانب التعمير هو الغالب في أعمالها ونشاطها، فمن السخف والحماقة أن تُعدّ قوى التخريب أيضًا من أسباب تعميرها.
افهم ذلك بمثل تاجر بارع في مهنته، يكتسب ملايين بفضل ذكائه واجتهاده وتجربته، ويسترسل مع ذلك في شرب الخمر والمقامرة والقصف فهل من خطأ أكبر من عدّك كلا هذين الوجهين المتعارضين لحياته من أسباب رفاهته ورقيّه؟ إنما الحق أن الجملة الأولى من صفاته هي السبب في تعمير كيانه، والجملة الأخرى من صفاته هي عاملة على تخريبه. فإذا كان كيانه ثابتًا بفضل قوة الصفات الأولى، فليس معناه أن الصفات الأخرى ليست بفاعلة فعلها التخريبي في الكيان. بل إذا دققت النظر وسبرت غور الأمر، بدا لك أن تلك القوى المدمرة المخربة لا تزال تتنقّص مما أودعه من قوى العقل والجسد، وتأكل من ثروته التي قد اكتسبها بكد يمينه وتستدرجه إلى البوار، وتتحين -في الوقت نفسه- فرصة الإيقاع به دفعة واحدة. فشيطان المقامرة الغالب عليه قد يفني ثروته المدّخرة في ساعة واحدة من أشأم ساعات حياته، وهو متربص به الدائرة في كل حين. وشيطان الخمر المتمكن منه قد يركب به زللًا في حالة نشوة، فيتركه صفر اليدين، وهو أيضًا له بالمرصاد. وكذلك شيطان الدعارة والفجور لا يزال ينتظر الفرصة ليدفعه إلى القتل أو مهلكة أخرى تفجؤه. وأنت لا تستطيع أن تقدّر ماذا كان مبلغ رقي هذا التاجر وتحسن حاله، لو لم يكن واقعًا في براثن تلك الشياطين!
قِس على هذا كله حال أمة من الأمم. فإنها تصعد في مدارج الرقي بادئ ذي بدء بفصل ما فيها من قوى التعمير والإنشاء، ولكنها لا تتقدم في سبيل الرقي خطوات، إلا تعود، لفقد القيادة الرشيدة، تهيئ بنفسها أسباب خرابها. صحيح أنها لا تزال إلى مدة من الزمان تمضي قدمًا بدافع ما يملكها من قوى التعمير والإنشاء. ولكن عوامل الفساد والتخريب لا تنفك في الوقت نفسه تأكل من قوة حياتها من الداخل، حتى تجوف بنيانها وتضعف كيانها إلى حد أن تهدمه صدمة فاجئة من صدمات الدهر. وفيما يلي نذكر عوامل الخراب والدمار البارزة التي قد أورثها الأمة الفرنسية نظامها الاجتماعي الفاسد.