الصفحة 40 من 200

وما انتهت النكبة بهذا كله. بل جاء هذا التصور نفسه للحرية فأنتج في الغرب نظام الحكم الديمقراطي الذي أصبح، على الأيام، أقوى سبب لاستكمال هذا الانقلاب الخلقي.

إن المبدأ الرئيسي للديمقراطية الجديدة أن الناس بيد أنفسهم حكمهم وتشريعهم، وإلى أنفسهم كل التصرف في القوانين، يضعونها كما يشاؤون ويبدّلونها حسب ما يرضون إذا كرهوا فيها أشياء. فمن النتائج الطبيعية لهذا المبدأ أنهم لا يسلمون بسلطة قاهرة من فوقهم تتنزّه عن نقائص الطبع البشري وضعفه، فيتجنّب الإنسان ضلال الفكر والعمل باستسلامه لهدايتها. وأنه ليس عندهم قانون أساسي يثبت على غير الأزمان ويتعالى عن أن يتدخل في شأنه الإنسان، ويؤمن بكون مبادئه أبدية لا تقبل النسخ ولا التبديل. ثم إنهم لا يجدون مقياسًا يُمتحن به الصحيح من الزائف، لا يميل مع الأهواء والرغبات الإنسانية بل تكون صفته الدوام والاستحكام. وهكذا جاءت النظرية الجديدة للديمقراطية فأنزلت الإنسان منزلة المختار المطلق الخلي من كل مسئولية، وجعلته شارع نفسه بنفسه وجعلت مدار كل نوع من التشريع على الرأي العام فحسب.

ومن البديهي أنه إذا كانت قوانين الحياة الجماعية كلها تابعة للرأي العام، وكانت الحكومة كالعبد لإله هذه الديمقراطية الجديدة، فلا يمكن سلطات القانون والسياسة أن تصون المجتمع من الانحلال الخلقي ... وماذا أقول، بل هي تعود بنفسها عونًا على إفساد المجتمع ودفعه إلى المهالك. ذلك بأن كل تغير في الرأي العام يتبعه لا محالة تغيير في القانون، وتتبدل مبادئه وضوابطه مع تبدل نظريات العامة حتى تلائمها وتنطبق عليها. ولا يكون للحق والخير والصلاح مقياس غير كثرة الأصوات بحق هذا الجانب أو ذاك. وأن اقتراحًا مهما بلغ من خبثه وضرره، إن كان قد نال من رضى العامة ما يكسبه 51 صوتًا في المائة، فلا شيء يمنعه من أن يسمو إلى مرتبة الشرع. ومن أقبح الأمثلة لذلك وأجدرها بالاعتبار ما حصل في ألمانيا قبل العصر النازي. وذلك أن فاضلًا من أبنائها يدعى الدكتور ماغنوس هرشفيلد ( Magnuz Hirchfeld) وكان في الماضي رئيسا لرايطة الإصلاح الجنسي العالمية ( World League of Sexual Reform) قام فيها بأشد ما يكون من الدعاية بحق سوءة قوم لوط مدة ست سنين، حتى رضي إله هذه الديمقراطية أن يحلل هذا الحرام، فقرر المجلس التشريعي الألماني بأكثرية الأصوات، أن لم يعد الآن هذا الفعل جريمة. بشرط أن يرتكب برضا الجانبين. وإن كان المفعول به دون سن البلوغ فيكن الرضا بيد وليه في هذا الشأن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت