الصفحة 28 من 200

فهذا التصور المتطرف للحرية هو الذي حدثت بفعله الثورة الفرنسية الكبرى [1] . فجاءت تُبطل كثيرًا من النظريات الخلقية القديمة وتُهدّم القواعد المدنية والدينية العتيقة. ولما تحقق عند أصحاب الثورة أن سقوطها وانهدامها كان سبيل الرقي ومبعث الحرية، استنتجوا منه وقرروا أن كل نظرية وكل طريق عملي نزل إليهم من السلف، عقبة معترضة في طريق الرقي والازدهار، ولا يمكن التقدم إلى الأمام بدون إزاحتها عنه. لذلك ما إن فرغ رجال الثورة من إبطال المبادئ الخاطئة للتعاليم الخلقية المسيحية؛ حتى أنحوا بمعول انتقادهم على التصورات الأساسية لنظام الأخلاق الإنسانية، يجرّحونها ويشكّكون فيها ويتساءلون: ما هذا العفاف؟ وما هذا الظلم والتضييق على الشباب الجامح بقيود التقوى؟ وأي نازلة تنزل بالأرض إن أحب المرء حبيبة بدون زواج؟ ثم إذا تزوج المرء فهل يفارقه قلبه، حتى يُحرّم عليه الحب فيما بعد؟ فمثل هذه الأسئلة أخذت تنشأ وتُوجّه من كل جانب في المجتمع الانقلابي الجديد. وأثار ضجتها -بوجه خاص- الطبقة المنتمية إلى المذهب الرومانتيكي ( Romantic School) . كانت جورج صاند ( Georg Sanb) زعيمة هذه الطبقة في مطلع القرن التاسع عشر. فبدأت بنفسها بالخروج على جميع المبادئ الخلقية التي ما زال عليها مدار الكرامة الإنسانية، وعفاف المرأة على الأخص، منذ الأزل. إذ اتّخذت الأخدان على كونها متزوجة من رجل، حتى آل الأمر بينها وبين زوجها إلى الفرقة. وغدت بعد ذلك تستبدل زوجًا بزوج، ولم تعاشر أحدًا منهم أكثر من عامين ويجد القارئ في ترجمة حياتها أسماء ستة أشخاص على الأقل كانت تخادنهم علنًا. ويصفها أحد هؤلاء الأصدقاء الستة بما يأتي:

"من عادة جورج صاند أنها تصيد فراشة هائمة بجمالها، فتحبسها في قفص من الرياحين والأزهار، وتتمتع بمنظرها ... وهو دور محبتها وإقبالها. ثم تأخذ بعد ذلك توجع الطائر المسكين بوخز الإبرة وتلتذ بما ترى من تململه واضطرابه ... وهذا عهد نفورها وإدبارها، ولا بد من معاناة شدائد هذا العهد لكل من شاء له القدر أن يقع في إسارها. ثم تعود فتجزّ أجنحة الفراشة المعذبة وتغدو تشرحها وتحللها، حتى تلقي بها أخيرًا إلى جملة الفراش التي تتخذ منها أبطالًا لرواياتها".

(1) من هذا التصور للحرية الفردية تولد النظام الرأسمالي الحالي، ونظام التمدن الديمقراطي والإباحية الخلقية ( Licentiousness) . وجرت هذه النظم على أوروبة وأميركا من الظلم والعدوان في مدة قرن ونصف تقريبا ما حمل الإنسانية على البغي والتمرد عليها ذلك بأن هذه النظم أباحت للفن إيثار مصلحته على مصالح الجماعة ومنافعها وفرقت شمل الحياة الجماعية. فكانت الاشتراكية ( Socialism) والفاشية نتيجتين لذلك البغي والطغيان. إلا أن هذا الإصلاح والتعمير الجديد جاء منذ بدايته منطويا على نوع آخر من الفساد، هو أنه قد أريد به إصلاح شيء متطرف بآخر مثله في التطرف. فبينما كان خطأ تصور الحرية الشخصية في القرن الثامن عشر أنه كان يضحي بالجماعة لأجل مصلحة الفرد، إذ خطأ تصور (الجماعية) في القرن العشرين هو من جهة أنه يريد أن يضحي بالفرد لأجل مصالح الجماعة. وأما النظرية المعتدلة المتوسطة لفلاح الإنسانية، فلا توجد في دنيا العمل اليوم، كما لم يكن لها في القرن الثامن عشر وجود!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت