إن من يفهم مقاصد القانون الإسلامي وله مع ذلك حظ من العقل البسيط ( Common Sense) ، لا يصعب عليه أن يفهم أن إطلاق الحرية للنساء في الخروج سافرات الوجوه يخالف تلك المقاصد التي يهتم بها الإسلام كل هذا الاهتمام. وذلك بأن أكثر ما يؤثر في نفس المرء من امرئ آخر هو وجهه. وإن الوجه هو المظهر الأكبر للجمال الخلقي والطبيعي في الإنسان. فهو أكثر مفتن الجمال الإنساني جذبًا للأنظار واستهواء للنزعات. ثم هو العامل الأقوى للجاذبية الجنسية بين الصنفين. ولفهم هذه الحقيقة لا تحتاج إلى تعمق في علم النفس، بل ارجع في ذلك إلى ضميرك نفسك تطلب حكمه، وإلى عينيك تستفتيهما، وإلى تجاربك النفسية تستنبط منها النتائج، وجنّب نفسك آفة النفاق، فإن المنافق إن رأى حتى وجود الشمس ضارًا بمقاصده، لم يتردد في إنكاره بالمرة في رائعة النهار، بل لازم جانب الصدق فإن فعلت، لم تجد بدًا من الاعتراف بأن هذا الجمال الطبيعي الذي قد وضعه الله في وجه الإنسان هو أكثر ما يستهوي الناظر، وهو أكبر عامل للتحريك الجنسي ( Sex Appeal) . ثم هل رأيت أنك إن كنت تريد أن تتزوج بفتاة أردت أن تلقي عليها نظرك قبل أن تعزم على الأمر بصفة نهائية، فقل لي بالله ربك! إلام تنظر فيها لتقبلها أو ترفضها؟ وهب أن لنظرك إليها صورتين اثنتين: أولاهما أن تخرج لك الفتاة في كل زينتها إلا وجهها. والثانية أن تريك وجهها وحده من نافذة دون سائر جسمها. فأي صورة من هاتين تختارها لانتخاب الفتاة لنفسك! اصدقني بالله ألا يكون جمال الوجه آثر وأرجح عندك من جمال سائر الجسم؟
وإذا تقرّرت هذه الحقيقة، فلنمض في البحث قدمًا. فنقول إنه إن لم يكن منع الفوضى الجنسية ومنع الهيجان الجنسي المتطرف في المجتمع من المقصود المنشود، فلتكن المرأة إذًا في حل من الكشف عن نحرها وذراعيها وساقيها وفخذيها، دع عنك وجهها وحده، كما هو عليه الحال في الحضارة الغربية لهذا العهد. ولا حاجة لوضع تلك الحدود والقيود التي قد مرّ ذكرها في معرض قانون الحجاب الإسلامي. ولكنه إن كان المقصود هو سد هذا الطوفان ودفع غائلته عن المجتمع، فأي سخافة أكبر من أن توصد في وجهه صغار المنافذ ويفتح له باب رئيسي كبير!!
ولك أن تسأل في هذا المقام أنه إن كان الأمر كذلك، فما للإسلام يبيح للمرأة أن تكشف وجهها عند الحاجة والضرورة، كما قد ذكرت بنفسك فيما مر؟ فالجواب عليه أن القانون الإسلامي ليس بقانون مائل الشق، منحرف عن الاعتدال، بل هو بينما يراعي -بجانب- مصالح الأخلاق، يراعي -بالجانب الآخر- ضرورات الإنسان وحاجاته، ويقيم بينهما الميزان بغاية القسط. إنه يريد أن يسد باب الفتن الخلقية، ويريد مع ذلك أن لا يفرض على الإنسان قيود ألا يستطيع معها أن يقضي حوائجه الحقيقية. وهذا هو السبب لأنه لم يأمر المرأة في وجهها ويديها بمثل ما أمرها به في ستر العورة وإخفاء الزينة من الأحكام القاطعة الصريحة. ذلك بأن ستر العورة وإخفاء الزينة لا يخل بقضاء حاجات الحياة أبدًا. ولكن المداومة على إخفاء الوجه واليدين قد ترهق المرأة من أمر القيام بحاجاتها عسرًا. من ثم قد قرر الإسلام على وجه العموم أن تدني النساء عليهن من جلابيبهن. ثم أجاز لهن بقوله (إلا ما ظهر منها) أن يكشفن عن وجوههن إذا ما اقتضته الضرورة، بشرط أن لا يقصد بذلك إظهار الجمال. بل يكون المقصود قضاء الحاجة وحده. وسد بعد ذلك أبواب الفتنة من قبل الرجال بأن أمرهم أن يغضوا من أبصارهم. وذلك أنه إن كشفت امرأة عفيفة عن وجهها مضطرة، غضّ الرجال من أبصارهم عن النظر إليها، ولم يصعّدوا فيها أنظارهم بما لا يليق.