على أن هناك فرقًا دقيقًا بين نظر المرأة إلى الرجل ونظر الرجل إلى النساء من حيث الخصائص النفسية للصنفين. وذلك أن في طبيعة الرجل الإقدام، فهو إذا أحب شيئًا، يسعى في إحرازه والوصول إليه. ولكن في طبيعة المرأة التمتع والفرار، وهي ما دامت على فطرتها لم تنسلخ منها، لا يمكن أن يكون فيها من الجراءة والوقاحة والإقدام ما تتقدم به بنفسها إلى شيء تحبه وتعجب به. وقد راعى الشارع عليه السلام هذا الفرق بين طبعي الصنفين. فلم يشدد في النهي عن نظر المرأة إلى الأجنبي تشديده في النهي عن نظر الرجل إلى الأجنبية. وقد اشتهر حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراها لعب الحبشة بحرابهم في المسجد [1] مما يفيد أنه ليس نظر النساء إلى الرجال بمحظور على الإطلاق. وإنما المكروه اجتماع النساء والرجال في مجلس وتحديق بعضهم إلى بعض. وأيضًا لا يجوز من النظر ما يخاف منه الفتنة. فذلك الصحابي -ابن أم مكتوم- الذي كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجه أم سلمة بالاحتجاب منه، أمر فاطمة بنت قيس بقضاء عدتها في بيته. وذلك أنه لما طلقها زوجها أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت أم شريك الأنصارية. ثم قال:"إن تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك" [2] فالمقصود الحقيقي إذن من مثل هذه الأحكام هو التقليل من مظان الفتنة. ولذلك منع النبي فاطمة بنت قيس من أن تعيش في بيت كان إمكان الفتنة فيه أكثر وأذن لها أن تقيم حيث كان إمكانها أقل، والمرأة لم يكن لها بد من بيت تقيم فيه. ولكنه نهى النساء أن يجتمعن برجل أجنبي ويربنه وجهًا لوجه حيث لا ضرورة تدعو إليه وتستلزمه.
(1) هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد عن عائشة رضي الله عنها، من طرق أربعة، يزيد بعضم على بعض. وقد ذهب بعضهم في تأويله إلى أنه وقع هذا في أيام كانت أم المؤمنين حديثة السن فيها، وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب إلا أنه صرح ابن حبان أنه وقع ذلك حينما قدم إلى المدينة وفد من الحبشة. وكان قدومه سنة سبع من الهجرة، حسبما يدل عليه التاريخ. وعلى هذا كانت عائشة رضي الله عنها حينذاك بنت خمسة عشر أو ستة عشر. ثم مما رواه البخاري أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يسترها بردائه وهو يريها ذلك اللعب. فيضح منه أن أحكام الحجاب كانت قد نزلت حينذاك.
(2) مسلم وأبو داود.