كل هذه المدارج من الأحكام صادرة عن الحكمة. ومن أوتي من البصر النافذ ما يدرك به مغزى الشرع، يستطيع أن يفهم بكل سهولة أي المصالح بنيت عليه أحكام غض البصر، وعلى أي الأمور يقف التشديد والتخفيف في هذه الأحكام اعتبارًا لتلك المصالح. فالمقصود الحقيقي عند الشارع عليه السلام إنما هو منع الناس من النظرة الآثمة، وليس له على أعينهم من ثأر. فإن هذه الأعين ربما نظرت بادئ ذي بدء بنظرات بريئة. وجاء شيطان النفس بحجج خادعة لتبريرها وناجى المرأة أنه ليست نظراته تلك إلى الغيد الحسان إلا ذوقًا للجمال قد أودعته الفطرة إياه. وإذا كان من المباح له أن يجتلي سائر مظاهر الجمال الطبيعي ويجد فيها لذة ظاهرة، فأي جناح عليه أن يمتّع نظره برؤية الجمال الإنساني ويستمد منذ لذة روحية. ولكن هذا الشيطان يمضي يُربي في نفس الإنسان هذا النزوع إلى التمتع والتلذّذ، حتى يعود التذوق للجمال شوقًا إلى الوصال. ومن ذا الذي يُكابر في أن كل ما قد حصل في الدنيا إلى هذا اليوم، ولا يزال يحدث فيها من الفحشاء والفجور، باعثه الأول الأعظم هو فتنة النظر هذه؟ ومن ذا يدعي بصدق أنه يجد في نفسه برؤية الشباب والجمال في الصنف المخالف ما يجده بمرأى وردة في الروض؟ وإذا كان بين هذا وذاك فرق، وكان النظر إلى الجمال الإنساني بخلاف النظر إلى الجمال الطبيعي مبعث الشهوة في النفوس، فأنى يحق لأحد القول بضرورة الحرية في هذا النوع من التذوق للجمال مثل الحرية الحاصلة في ذاك. إن الشارع لا يريد أن يُذهب عن نفوسكم هذا الذوق الجمالي، وإنما هو يقول لكم أن اختاروا لأنفسكم زوجًا يعجبكم ويروقكم، ثم اجعلوه وحده مركزًا لكل ما أوتيتم من هذا الذوق ومتعوا به أنفسكم حسبما شئتم، ولا تميلوا عنه إلى سواء تتبعونه النظر الرغيب فإنكم إن فعلتم تلوثتم بالفواحش. وإن لم تتلوّثوا بأدناس الفوضى العملية لضبطكم نفوسكم أو لموانع أخرى من حولكم، لم تسلموا ولا شك من ضلال الفكر وشروده، فيضيع معظم قوّتكم من طريق نظركم، وتتدنس قلوبكم باللهف على كثير من اللذات الآثمة التي تخيب فيها أمانيكم، وتقعون في حبائل الهوى معيدين ومبدئين، وتقضون كثيرًا من الليالي في اليقظة حالمين. ثم تجدون في أنفسكم مثل لدغ الحية أو مثل حر الجمر من عشق كثير من الغيد الفاتنات، ويضيع أكثر حيويتكم في خفقان القلب وهيحان الدم! .. وما ظنك بهذه الخسارة، أتافهة هي؟ وهي لا تجرّها كلها على نفسك إلا بصرفك النظر عن مركزه الشرعي. فما أجدرك إذًا بأن تحدّ من شرود ناظريك وتحذر النظر بدون حاجة، وتجتنب النظرة التي تكون مظنة الفتنة. أما إن كانت هناك ضرورة تستلزم هذه النظرة، أو كانت فيها منفعة للتمدن، فهي مباحة على الرغم من إمكان الفتنة. وأما إذا لم يكن هناك ضرورة تدعو إلى النظر، ولكن لم يكن فيها ما يُخشى منه وقوع الفتنة، فعندئذ يجوز نظر المرأة إلى الرجل، ولا يجوز نظر الرجل إلى المرأة، إلا أن يكون نظر فجأة.